65
فهو عندما يتخيل الأهرام وبناءها يهتف من أعماق قلبه بأن ما قام في الأرض من حضارة في البناء إنما وضع أسسه المصريون، بل إن ثبات الأهرام وخلودها مما يوحي بأن الباني لها إنما هو الطبيعة نفسها، وكأنما نشأت بفعلها لا بيد فانية.
ولكنني لا أرى في تشبيهها بأساطين سفينة غرقت تشبيها يبرز جلالها، ويوحي إلى النفس بعظمتها وروعتها، وليس لهذا التشبيه أثر حظ من الجمال تحس به النفس، وإنما هو وقوف عند حد التصوير البصري.
وفي البيت الأخير عود إلى خواطر الميزان وكنوز فرعون، مما ألم به في القصيدة السينية.
ولم يكتف شوقي بما أنشأه شعرا في الأهرام، بل كتب في ذلك قطعة نثرية يقول فيها: «ما أنت يا أهرام؟ أشواهق أجرام؟
66
وأوضاح معالم،
67
أم أشباح مظالم؟ وجلائل أبنية وآثار، أم دلائل أنانية واستئثار،
68
وتمثال منصب من الجبرية،
69
أم مثال ضاح
70
من العبقرية؟
يا قليل البصر عن موضع العبر، قليل البصر
71
بمواقع الآيات الكبرى، قف ناج الأحجار الدوارس، وتعلم؛ فإن الآثار مدارس. هذه الحجارة حجور لعب عليها الأول، وهذه الصفاح صفائح
72
ممالك ودول، وذلك الركام
73
من الرمال، غبار أحداج
74
وأحمال، من كل ركب ألم ثم مال.
في هذا الحرم درج عيسى صبيا، ومن هذا الهرم خرج موسى نبيا، وفي هذه الهالة طلع يوسف كالقمر وضيا،
75
ووقعت بين يديه الكواكب جثيا.
76
وها هنا جلال الخلق وثبوته، ونفاذ العقل وجبروته، ومطالع الفن وبيوته، وها هنا تتعلم أن حسن الثناء مرهون بإحسان البناء.»
وفي هذه القطعة ألم شوقي بعناصر أربعة:
العنصر الأول:
يتساءل فيه شوقي عن بناء الأهرام، وهل هي آثار جليلة أم دلائل على الظلم والأنانية، وشواهد على إجرام منشئيها، وبموازنة ذلك بما سبق أن أوردناه لشوقي، يتبين هنا تردده، في حين أنه كان هناك قاطعا مرة بأنه لا أثر للظلم في بنائها، ومرة بأنها ظلم يبيض منه وجه الظلم. وأرى أن جعل الأهرام أشياء يستدل بها على الطريق أمر تافه لا يتناسب مع عظمة الأهرام.
والعنصر الثاني:
اتخاذ الأهرام عظة وعبرة لما مر عليها من دول، وما شاهدته من تعاقب الممالك في هذا الوادي. وجعل شوقي الرمال التي حولها غبار هذا الركب المسافر من الأجيال المعاقبة.
أما العنصر الثالث:
فهم الأنبياء الذين رأتهم الأهرام يدرجون في حرمها ويبعثون كموسى وعيسى ويوسف.
ويختم شوقي قطعته مبديا إعجابه بتلك الأهرام لما تدل عليه من خلق جليل أساسه المثابرة والثبوت، ومن جبروت عقل استطاع أن ينشئ هذه المعجزات، ومن فن رفيع كان هو مشرق الفن في هذا الوجود. •••
أما خليل مطران فلم ير في الأهرام ما رآه غيره فيها من الجلال، وما أحس به من أنها مصدر مجد وفخار، ولكنه رآها مصدر عار لبناتها؛ فإن الملوك الذين أشادوها استعبدوا أمتهم في بنائها، فاعتاد بنوها المعبودية، فسهل على العدو استعبادهم، وفي ذلك يقول مطران:
شاد فأعلى، وبنى فوطدا
لا للعلى، ولا له، بل للعدى
مستعبد أمته في يومه
مستعبد بنيه للعادي غدا
ويتخيل خليل تلك الأيام التي كان العمل يجري في بنائها، فيصور له الخيال عمالا كعدد الرمال لا يستطيع العد إحصاءهم، قد اصفرت وجوههم من تعب العمل، ونديت جباههم بالعرق، وذبلت أجسامهم من الضنى، فصاروا كالكلأ اليابس عليه قطرات الندى. لقد أحنى الجهد الثقيل أجسامهم يمشون في شقاء لا يسمع لهم صوت، مخلدين إلى الاستكانة والخضوع، يجتمعون فيخيل إليك أنهم البحر في اضطرابه، ويمضي كل فريق إلى عمله؛ كالجداول تنبثق من بحر، يصعدون وينحدرون.
وهنا يتساءل مطران عن هذا الجيش اللجب من المخلوقات الفانية قد اجتمعت في هذا الفضاء لتبني قبرا خالدا لإنسان سيفنى.
ويبلغ خليل مطران الذروة في تصوير هذا الشعور إذ يقول:
إني أرى عد الرمال ها هنا
خلائقا تكثر أن تعددا