تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

35

وتلك نظرة جديدة إلى الآثار، أوحى بها ما كانت قد وصلت إليه الأمة المصرية حينئذ من تأخر وهوان، وما تدل عليه هذه الآثار من قوة وعلم وحضارة وصل إليها المصريون القدماء، فدفع ذلك إلى اتخاذ هذه الآثار وسيلة لحث الأبناء على اليقظة والعمل والشعور بالكرامة، حتى يكون الأبناء جديرين بأن ينتسبوا إلى مثل هؤلاء الآباء.

ويمثل النظرة الجديدة أوفى تمثيل قصيدة إسماعيل صبري التي أنشأها على لسان فرعون يحث المصريين على العمل المجيد، فيقول:

لا القوم قومي، ولا الأعوان أعواني

إذا ونى يوم تحصيل العلا وان

ولست، إن لم تؤيدني فراعنة

منكم، بفرعون عالي العرش والشان

ولست جبار ذا الوادي إذا سلمت

جباله تلك من غارات أعواني

ففرعون في هذه الأبيات ينكر قومه، ولا يعترف بنسبتهم إليه إذا قصروا في طلب المجد، أو تهاونوا في السعي إلى العلا، ويقرر أنه لن يكون بذلك الأب الرفيع الشأن إذا لم يشبهه أبناؤه في علو الهمة، ولن يكون الملك المهيب القوي إذا لم يكن من أبنائه جيش قوي يغير على الأعداء في قوة وجبروت.

وهو من أجل ذلك يطلب منهم أن يعملوا ويكدوا؛ لأن ماء النيل العذب لم يجر ليشربه كسلان، ولا يستحق بنوه أن يرووا ظمأهم منه إذا لم يعملوا عملا جليلا، ولم يبنوا كما بنى آباؤهم من قبل، ولم يحاولوا تذليل المستحيل حتى يصير ممكنا، واستمع إلى فرعون يحث بنيه على العمل قائلا:

لا تقربوا النيل إن لم تعملوا عملا

فماؤه العذب لم يخلق لكسلان

ردوا المجرة كدا دون مورده

أو فاطلبوا غيره ريا لظمآن

36

وابنوا كما بنت الأجيال قبلكم

لا تتركوا بعدكم فخرا لإنسان

أمرتكم، فأطيعوا أمر ربكم

لا يثن مستمعا عن طاعة ثان

37

فالملك أمر وطاعات تسابقه

جنبا لجنب إلى غايات إحسان

لا تتركوا مستحيلا في استحالته

حتى يميط لكم عن وجه إمكان

38

ذلك ما قاله فرعون، وأمره واجب الطاعة تلبيه الجماهير التي تملأ الوادي بآثارها:

مقالة هبطت من عرش قائلها

على مناكب أبطال وشجعان

مادت لها الأرض من ذعر، ودان لها

39

ما في المقطم من صخر وصوان

لو غير فرعون ألقاها على ملأ

في غير مصر لعدت حلم يقظان

لكن فرعون إن نادى بها جبلا

لبت حجارته في قبضة الباني

وآزرته

40

جماهير تسيل بها

بطاح واد بماضي القوم ملآن

والشاعر يشير بذلك إلى أن أهل مصر كانوا كفرعون مغرمين ببناء المجد، فلا يكاد فرعون يدعوهم إلى تشييد مأثرة حتى يتسابقوا إليها فرحين مجدين. وهو بذلك لا يقبل رأي أولئك الذين يزعمون أن تلك الآثار بناها المصريون بالظلم والسخرة والاستبداد.

ويمضي الشاعر متحدثا عما شادوه من آثار حديث المعجب المفتون، فيقول:

يبنون ما تقف الأجيال حائرة

أمامه بين إعجاب وإذعان

41

من كل ما لم يلد فكر، ولا فتحت

على نظائره في الكون عينان

ويشبهون إذا طاروا إلى عمل

جنا تطير بأمر من سليمان

برا بذي الأمر، لا خوفا ولا طمعا

لكنهم خلقوا طلاب إتقان

والأبيات تحمل أقصى دلائل الإجلال لقدماء المصريين الذين يبنون ما تحار أمامه الأجيال، وما تقر بعظمته وجلاله، ويؤكد ما أشار إليه في الأبيات السابقة من غرام المصريين بالمجد، وإسراعهم إلى بنائه رغبة منهم في إتقان ما يعملون، وحبا لملكهم لا خوفا منه ولا طمعا فيما بيديه من المال.

ويخص الشاعر الأهرام من بين تلك الآثار، فيقول:

أهرامهم تلك حي الفن متخذا

من الصخور بروجا فوق كيوان

42

قد مر دهر عليها وهي ساخرة

بما يضعضع من صرح وإيوان

43

لم يأخذ الليل منها والنهار سوى

ما يأخذ النمل من أركان ثهلان

44

كأنها والعوادي في جوانبها

صرعى، بناء شياطين لشيطان

45

وإذا كان الشعراء قبله قد تحدثوا عن بقاء الأهرام، فقد انفرد صبري بإحساسه بأنها تسخر بما يهدمه من القصور والأواوين، وربما كان يريد بذلك ما صرح به البارودي من صرح بابل وإيوان كسرى. وجميل جدا تصويره ما استطاع الليل والنهار أن يأخذاه منها بما يستطيع النمل أن يأخذه من جبل ضخم، وهو بلا ريب شيء تافه لا يؤبه له.

الآثار المصرية في الأدب العربي · الصفحة ٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الآثار المصرية في الأدب العربيص ٧