تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وربما كان من آثار الأفكار القديمة في شعر البارودي ما كان بعض الناس يظنونه من أن الذين بنوا الأهرام أودعوا في رموزها جميع ما كان لهم من علم وحكمة.

ونجد من آثار الشعر القديم عند البارودي تشبيه الهرمين بالثديين، وللعين أثر في هذا التشبيه. وأما أن يجعل البارودي النيل قد فاض عنهما، فخيال مصنوع لا يقوم على أساس نفسي؛ لأن الواقف عند الأهرام لا يشعر من قرب أو بعد بمثل هذا الفيضان.

ويمضي الشاعر في وصف أبي الهول الرابض بين الهرمين، فيقول:

وبينهما «بلهيب»

29

في ظل رابض

أكب على الكفين منه إلى الصدر

يقلب نحو الشرق نظرة وامق

30

كأن له شوقا إلى مطلع الفجر

والجديد في إحساس البارودي أنه شعر في نظرة أبي الهول إلى الشرق أنه مشتاق إلى مطلع الفجر، فليت شعري أيريد البارودي بمطلع الفجر إشراق نور المجد على الوطن الحبيب؛ ليعود كما كان في الماضي مجيدا عظيما. وذلك إحساس طبيعي أقرب إلى النفس من إحساسها بأبي الهول رقيبا على حبيبين يركبان هودجين، كما رأينا في الشعر القديم.

ويتحدث البارودي بعدئذ عن سعادته بمحاورته للأهرام شهرا، لعله قضاه في دراسته لها، وتأمل فيما توحي به من المعاني إذ يقول:

مصانع فيها للعلوم غوامض

تدل على أن ابن آدم ذو قدر

رسا أصلها، وامتد في الجو فرعها

فأصبح وكرا للسماكين والنسر

31

فقم نغترف خمر النهى من دنانها

ونجني بأيدي الجد ريحانة العمر

فثم علوم لم تفتق كمامها

وثم رموز وحيها غامض السر

أقمت بها شهرا، فأدركت كل ما

تمنيته من نعمة الدهر في شهر

نروح ونغدو كل يوم لنجتني

أزاهير علم لا تجف مع الزهر

إذا ما فتحنا قفل رمز بدت لنا

معاريض لم تفتح بزيج ولا جبر

فكم نكت كالسحر في حركاته

تريك مدب الروح في مهجة الذر

سكرنا بما أهدت لنا من لبابها

فيا لك من سكر أتيح لا خمر!

ورسو أصلها وارتفاع بنائها ليكون مقرا للنجوم من المعاني التي جاء بها القدماء في الشعر، كما سبق أن أوردنا.

أما الجديد عند البارودي، فهو نظرته إلى الأهرام على أنها آيات تدل على عظمة الإنسان؛ إذ استطاع أن يأتي بهذه المعجزات.

ولست أدري - على وجه التحديد - لون الدراسة التي قام بها البارودي في الأهرام، وما النتائج التي ارتاح إلى الوصول إليها من هذه الدراسة التي يعلن أنه نال منها كل ما كان يتمناه، واستمتع بها كما يستمتع النشوان أسكرته الخمر، فهل كان يحاول قراءة ما على الأهرام من الكتابة الهيروغليفية، ويرى فيها روحا تدب في الصخر فتحييه؟

وجديد كذلك في التجربة التي أحس بها البارودي شعوره بالحنق على هؤلاء الذين لم يراعوا حرمة هذه الكتابة، فحطموا بعض الصخور التي كانت مكتوبة لكي يصلوا إلى خزائنها وما فيها من ثروة وكنوز، وهو يصب جام غضبه على المعتدين على حرمة هذه الآثار ويقول:

وما ساءني إلا صنيع معاشر

ألحوا عليها بالخيانة والغدر

أبادوا بها شمل العلوم، وشوهوا

محاسن كانت زينة البر والبحر

فكم سملوا عينا بها تبصر العلى

وشلوا يدا كانت بها راية النصر

تمنوا لقاط الدر جهلا وما دروا

بأن حصاها لا يقوم بالدر

وفلوا لجمع التبر صم صخورها

وأيسر ما فلوه أغلى من التبر

ولكنهم خابوا فلم يصلوا إلى

مناهم، ولا أبقوا عليها من الختر

32

فتبا لهم من معشر نزعت بهم

إلى الغي أخلاق نبتن على غمر

33

ألا قبح الله الجهالة إنها

عدوة ما شادته فينا يد الفكر

وتلك أول صيحة في الشعر العربي تستنكر الاعتداء على الآثار، وتعتز بها، وترى قيمة حصبائها أغلى من الدر والذهب.

ويختم البارودي قصيدته مقلدا الشعر القديم في إرسال التحية مع النسيم، والدعاء لها بأن يسقيها المطر فيقول:

فيا نسمات الفجر، أدي تحيتي

إلى ذلك البرج المطل على النهر

ويا لمعات البرق، إن جزت بالحمى

فصوبي عليها بالنثار من القطر

34

ويرى جمال الدين الأفغاني في الآثار المصرية، ومن بينها الأهرام، حافزا على التشبه بالآباء والأجداد، ودافعا إلى التمسك بالعزة والكرامة؛ إذ يقول: «انظروا أهرام مصر، وهياكل منفيس، وآثار طيبة، ومشاهد سيوة، وحصون دمياط، فهي شاهدة بمنعة آبائكم، وعزة أجدادكم. هبوا من غفلتكم، اصحوا من سكرتكم، عيشوا كباقي الأمم أحرارا سعداء.»

الآثار المصرية في الأدب العربي · الصفحة ٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الآثار المصرية في الأدب العربيص ٦