تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

23

الأرض، وكل شيء يخشى عليه من الدهر إلا الهرمان؛ فإنه يخشى على الدهر منهما.»

24

وذلك إحساس رأيناه في الشعر أيضا كما في قول عمارة اليمني.

وأعجب ضياء الدين بن الأثير بارتفاع الهرمين، فقال في حديثه عن مصر: «وبه من عجائب الآثار ما لا يضبطها العيان فضلا عن الإخبار؛ من ذلك الهرمان اللذان هرم الدهر وهما لا يهرمان، قد اختص كل منهما بعظم البناء وسعة الفناء، وبلغ من الارتفاع غاية لا يبلغها الطير على بعد تحليقه، ولا يدركها الطرف على مدى تحديقه، فإذا أضرم برأسه قبس ظنه المتأمل نجما، وإذا استدار عليه قوس السماء كان له سهما.»

25

ولم أجد في وصفهما شيئا أبعد عن الصواب من تصوير أحد الكتاب لها بأنها بعض لعب يتزين بها.

26

ومن كل ذلك يتبين أن الشعر في القديم صور حيرة الناس إزاء الأهرام، وأعلن إعجابه العميق ببنائها وبناتها، ومضى يسجل إحساسه نحوها، وإن لم يستطع في أكثر الأحوال أن يرتفع إلى مستوى عال ينبض بالقوة والحياة.

ومما يلحظ أن الذي حظي من الشعر في العصر القديم بأوفى نصيب إنما هما هرما الجيزة الكبيران. أما غيرهما من باقي الأهرام، بما في ذلك هرم الجيزة الأصغر، فلم يحظ بنصيب من التقدير. ويرجع سبب ذلك إلى ما اختص به الهرمان الكبيران من ضخامة وإتقان بناء. •••

ونالت الآثار المصرية، ومن بينها الأهرام، عناية كثير من الشعراء في العصر الحديث؛ نرى بشائر ذلك فيما قاله السيد علي الدرويش، المتوفى سنة 1853م، في الهرمين الكبيرين:

انظر إلى الهرمين، واعلم أنني

فيما أراه منهما مبهوت

رسخا على صدر الزمان وقلبه

لم ينهضا حتى الزمان يموت

27

وهي نظرة تشبه نظرة القدماء في بقاء الهرمين راسخين دائمين، وإن كانت صياغة الشعر غير قوية ولا رائعة.

وربما كان البارودي أول شاعر في العصر الحديث أطال في الحديث عن الهرمين، ورأى فيه أثرا حصاه أغلى من الدر، وصخره لا يقوم بالتبر. ولنصغ إليه لنتبين ما في شعره من إحساسات شعر بها، وقد أقام بالقرب من الأهرام شهرا يتردد عليها مستغرق الفكر فيها، متأملا ما نقش فوقها، ناظرا عبث العابثين بما كان فيها، فيقول:

سل الجيزة الفيحاء عن هرمي مصر

لعلك تدري غيب ما لم تكن تدري

بناءان ردا صولة الدهر عنهما

ومن عجب أن يغلبا صولة الدهر

أقاما على رغم الخطوب ليشهدا

لبانيهما بين البرية بالفخر

فكم أمم في الدهر بادت وأعصر

خلت، وهما أعجوبة العين والفكر

تلوح لآثار العقول عليهما

أساطير لا تنفك تتلى إلى الحشر

رموز لو استطلعت مكنون سرها

لأبصرت مجموع الخلائق في سطر

فما من بناء كان أو هو كائن

يدانيهما عند التأمل والخبر

يقصر حسنا عنهما صرح «بابل»

ويعترف «الإيوان» بالعجز والبهر

فلو أن هاروت انتحى مرصديهما

لألقى مقاليد الكهانة والسحر

كأنهما ثديان فاضا بدرة

28

من النيل تروي غلة الأرض إذ تجري

وأول ما يلحظ في هذا الشعر إذا وزن بمعظمه الشعر الماضي قوة البناء، وشدة الأسر، وإحكام النظم.

أما معانيه فقد رأينا بعضها فيما مضى من الشعر، وبعضها مما انفرد البارودي بالشعور به.

ففي مطلع القصيدة يوحي الشاعر بعظمة الهرمين عندما دعا إلى السؤال عنهما، عسى أن يعلم السائل أمورا جليلة لم يكن يدري عنها شيئا قبل هذا السؤال، وإنما يسأل عن الأمر الجليل.

وفي الأبيات التالية يبين عظمة هذين الهرمين فيصور الصراع بينهما وبين الزمن، ويصور معركة انتصر فيها الهرمان على صولة الزمن، ويتحدث عن إعجاب الناس بهما على مر العصور والأحقاب، ويحكم حكما قاطعا بأنه ما كان ولن يكون في الدنيا بناء يضارعهما.

وأصول هذه المعاني مما ألم به الشعراء الأقدمون، كما سبق أن أوردتها. أما المعنى الذي انفرد البارودي به، فهو أن الهرمين شاهدان على أن صاحبهما جدير بأن يفتخر بهما لما يدلان عليه من عظمة وعقل جبار، تمضي عقول الخلق في أثره تريد أن تتبين ما وراء بنائهما من أسرار تحاول أن تصل إليها ما بقي هذا الوجود.

الآثار المصرية في الأدب العربي · الصفحة ٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الآثار المصرية في الأدب العربيص ٥