15
ولكن الشاعر لم يذكر شيئا عن هذا السر الذي تفضي به الأهرام إلى الألباب، وإذا كانت الأهرام تزيد على الأيام شبابا وقوة فلم تقف متبلدة حزينة على الأحقاب التي انقضت.
وجاء شاعر آخر فألم ببعض معاني ابن الساعاتي، وشبهها بالخيام المقامة من غير عمد ولا أطناب، فقال:
لله أي غريبة وعجيبة
في صنعة الأهرام للألباب
أخفت عن الأسماع قصة أهلها
وقصت عن الألباب كل نقاب
فكأنما هي كالخيام مقامة
من غير ما عمد ولا أطناب
16
وفي تشبيه الأهرام بالخيام ما يوحي بأن الشاعر رآها عن بعد فكانت صغيرة، يذكر مرآها بمرأى الخيام.
ووقف ظافر الحداد أمام الهرمين وبينهما أبو الهول فرآهما كالهودجين لحبيبين مرتحلين، ووقف بينهما رقيب يحول بينهما وبين اللقاء، فذرفا دموعا هي ماء النيل، وانتحبا لهذا الفراق بما نسمعه من صوت الريح العاصفة. أما المقطم فيشبه ركبا مسافرا أدركه التعب فبرك على الأرض ليستريح؛ وذلك إذ يقول:
تأمل هيئة الهرمين وانظر
وبينهما أبو الهول العجيب
كعماريتين
17
على رحيل
بمحبوبين بينهما رقيب
وماء النيل بينهما دموع
وصوت الريح عندهما نحيب
ودونهما المقطم وهو يحكي
ركاب الركب أبركها اللغوب
18
وتلمس الشهاب المنصوري للهرمين شبيها، فوجدهما مسافرين آبا إلى موطنهما فاستقرا، أو عاشقين وشى بحبهما أبو الهول، أو ضالين في الصحراء اهتديا بنجم السماء فأرشدهما، أو ظامئين استسقيا مطر السماء فهطل عليهما حتى رويا.
وأحس الشهاب بغيظ من الزمن منهما لعجزه عن أن ينال منهما منالا، فقال:
إن جزت بالهرمين قل: كم فيهما
من عبرة للعاقل المتأمل
شبهت كلا منهما بمسافر
عرف المحل فبات دون المنزل
أو عاشقين وشى بوصلهما أبو ال
هول الرقيب فخلفاه بمعزل
أو حائرين استهديا نجم السما
فهداهما بضيائه المتهلل
أو ظامئين استسقيا صوب الحيا
فسقاهما عذبا روي المنهل
يفنى الزمان، وفي حشاه منهما
غيظ الحسود وضجرة المستثقل
19
ولا أجد في كل ما جاء به الشهاب المنصوري من تشبيهات مصورا للإحساس النفسي إزاء الأهرام؛ فليس هناك شيء يربطهما بالمسافر أو العاشق أو الحائر أو الظامئ، ولكنه قد وفق في تصوير غيظ الزمان منهما.
وظل الشعر إلى العصر الحديث يحمل دلائل الحيرة والعجز عن الوصول إلى معرفة السر في إقامة هذه الأهرام، كما يحمل أسمى مظاهر إجلالها واتخاذها عظة تصل إلى أعماق القلوب وإن لم تنطق الأهرام بلسان، كما نتبين ذلك في قول فخر الدين عبد الوهاب المصري:
أمباني الأهرام، كم من واعظ
صدع القلوب، ولم يفه بلسانه
أذكرتني قولا تقادم عهده «أين الذي الهرمان من بنيانه»
هن الجبال الشامخات تكاد أن
تمتد فوق الأرض عن كيوانه
20
لو أن كسرى جالس في سفحها
لأجل مجلسه على إيوانه
ثبتت على حر الزمان وبرده
مددا، ولم تأسف على حدثانه
21
والشمس في إحراقها، والريح عن
د هبوبها، والسيل في جريانه
هل عابد قد خصها بعبادة
فمباني الأهرام من أوثانه
أو قائل يقضي برجعى نفسه
من بعد فرقته إلى جثمانه
فاختارها لكنوزه ولجسمه
قبرا، ليأمن من أذى طوفانه
أو أنها للسائرات مراصد
يختار واحدها أعز مكانه
أو أنها وصفت شئون كواكب
أحكام فرس الدهر أو يونانه
أو أنهم نقشوا على حيطانها
علما يحار الفكر في تبيانه
في قلب رائيها، ليعلم نقشها
فكر يعض عليه طرف بنانه
22
والشاعر هنا يكاد يستوعب ما رواه عصره من آراء في سبب بناء هذه الأهرام. ومما يلحظ أنه منذ القدم قد قرر بعض الآراء ما نؤمن به في العصر الحديث من أنها بنيت لتكون قبورا لبناتها، الذين كانوا يؤمنون بعودة الروح إلى جسدهم. وفي تشبيه الأهرام بالجبال تصوير للإحساس النفسي بضخامتها. ولأول مرة في الشعر، يوازن الشاعر بينها وبين إيوان كسرى ويفضلها على الإيوان.
وشارك النثر الشعر في الإعجاب بالهرمين؛ إذ يقول القاضي الفاضل: «الهرمان فرقدا