تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أرى قبل هذا أن أموت فتعلم

ستفتح أقفالي، وتبدو عجائبي

وفي ليلة في آخر الدهر تنجم

5

ثمان وتسع واثنتان وأربع

وسبعون من بعد المئين، فتسلم

ومن بعد هذا جزء تسعين برهة

وتلقي البرابي صخرها، وتهدم

تدبر فعالي في صخور قطعتها

ستبقى، وأفنى قبلها، ثم تعدم

6

قيل: فجمع أحمد بن طولون الحكماء وأمرهم بحساب هذه المدة، فلم يقدروا على تحقيق ذلك، فيئس من فتحها.

وإذا صح هذا الخبر، فإن ناظم هذا الشعر أراد أن يضع ألغازا لا يستطاع حلها؛ ليظهر بمظهر العالم الخبير.

ولا يمكن أن يكون ذلك ترجمة لشعر كتب على شيء في الأهرام؛ لأن الباني لها لا يمكن أن يكون قد أراد فتحها، ولكنه كان يرغب في أن تظل سرا مغلقا إلى الأبد.

وإذا كان بعض من رأى الهرمين قال: ليس شيء إلا وأنا أرحمه من الدهر إلا الهرمان؛ فأنا أرحم الدهر منهما.

7

فإن المتنبي قد وقف أمامهما يستعظم أمرهما، ويستعظم بناءهما، ويجل الشعب الذي أنشأهما، حين يستفهم هذا الاستفهام المنبئ عن الإعجاب إذ يقول:

أين الذي الهرمان من بنيانه

من قومه؟ ما يومه؟ ما المصرع؟

تتخلف الآثار عن سكانها

حينا، ويدركها الفناء فتتبع

8

ولكنه في البيت الثاني يعلن أن هذه الآثار مهما تخلفت بعد أصحابها سيلحقها الفناء وتتبع من شادوها.

وقد قال المتنبي هذين البيتين بعد أن خرج من مصر في قصيدة يرثي بها أحد رجال مصر. ولم يشر المتنبي إلى آثار مصر في غير هذين البيتين. أما عمارة اليمني فيملؤه الجلال عندما يرى الهرمين، فيرى الدهر عاجزا عن أن تمتد إليهما يده، ويراهما مثال الإتقان، ولكنه يعلن عجزه عن الوصول إلى سرهما ويقول:

خليلي ما تحت السماء بنية

تماثل في إتقانها هرمي مصر

بناء يخاف الدهر منه، وكل ما

على ظاهر الدنيا يخاف من الدهر

تنزه طرفي في بديع بنائها

ولم يتنزه في المواد بها فكري

9

وتعبير الشاعر بخوف الدهر منها يصور مناعتها وقوة صلابتها.

أما أبو الصلت أمية بن عبد العزيز الأندلسي فيراهما أجمل شيء يمكن أن تراه العين في هذا الوجود؛ إذ يقول:

بعيشك، هل أبصرت أحسن منظرا

على ما رأت عيناك من هرمي مصر

أنافا بأعنان السماء وأشرفا

على الجو إشراف السماك أو النسر

10

وقد وافيا نشزا

11

من الأرض عاليا

كأنهما نهدان قاما على صدر

12

وأخذ صورة النهدين شاعر آخر، فجعل الأرض تكشف عنهما عندما أخذت تدعو الله أن يمن على البلاد بالري بعد الظمأ، خوفا على بنيها الساكنين في هذا الجزء، فاستجاب الله دعاءها وأغاثها بالنيل يروي ظمأها، ويشفي غليلها؛ وذلك إذ يقول:

انظر إلى الهرمين إذ برزا

للعين في علو، وفي صعد

وكأنما الأرض العريضة إذ

ظمئت لفرط الحر والرمد

حسرت عن الثديين بارزة

تدعو الإله لرقة الولد

فأجابها بالنيل يوسعها

ريا، ويشفيها من الكمد

13

واتخذ بعضهم شبه الهرمين بالنهدين دليلا على أن مصر صدر الأرض، وعجب من أن يظلا ناهدين، برغم كثرة من ولدته من الأبناء، فقال:

تبين أن صدر الأرض مصر

ونهداها من الهرمين شاهد

فوا عجبا، وقد ولدت كثيرا

على هرم، وذاك النهد ناهد

14

أما ابن الساعاتي فيرى الهرمين من العجائب التي لا تحتاج إلى إسهاب في بيان غرابتها، فقد مر عليهما أزمان طويلة الأمد، ولم يزدها ذلك إلا جدة في الشباب، فما أعجبهما من بناء أزلي يريد أن يصل بارتفاعه إلى عنان السماء، وإنهما في ثباتهما بمكانهما يشبهان وقفا متبلدا حزنا على الزمن الذي مضى، وإذا كانت الأهرام غير واضحة السر أمام العين، فإن العقل وحده هو الذي يستطيع أن يصل إليه؛ وذلك إذ يقول:

ومن العجائب، والعجائب جمة

دقت عن الإكثار والإسهاب

هرمان قد هرم الزمان، وأدبرت

أيامه، وتزيد حسن شباب

لله أي بنية أزلية

تبغي السماء بأطول الأسباب

وكأنما وقفت وقوف تبلد

أسفا على الأيام والأحقاب

كتمت على الأسماع فصل خطابها

وغدت تشير به إلى الألباب

الآثار المصرية في الأدب العربي · الصفحة ٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الآثار المصرية في الأدب العربيص ٣