وت مثل أوراق الشجر
ما غيرت منه، وكم
شوهد فيها من غير؟
ويسأله الشاعر عن سر هذا النوم الطويل، وهل كان ذلك لطول سهره على مصلحة رعيته وبناء مجدها؟ لقد نام طويلا نوما لم تزعجه فيه الأحلام، فكيف استيقظ بعد هذا النوم الطويل؟ ويجد الشاعر الجواب في هذه الثورة التي أيقظت في البلاد كل شيء حتى الحجر الأصم، فيقول:
يا نائما دهرا، أطو
ل النوم من طول السهر
ما كدرت نومك آ
لام، ولا حلم خطر
كيف انتبهت بعدما
خدرت ذلك الخدر
أيقظك العهد الذي
أيقظ في مصر الزمر
ويخاطب الشاعر رمسيس قائلا له: إنه قد نال الخلود في كل ناحية من النواحي، فخلد جسمه محنطا، وخلد تمثاله، وخلد تاريخه الباهر على الزمن. أما روحه فمكفول لها الخلد إلى يوم القيامة، وقد أمدها المصريون بالطعام، وحرسوها بالسلامة والتعاويذ من كل شر يستطيع أن يمسها؛ إذ يقول:
رمسيس، قد خلدت في الد
نيا على كل الصور
جسما، وتمثالا، وتا
ريخا على العهد بهر
والروح مكفول لها ال
خلد ليوم المستقر
أما أمدوها بما
تطعمه طول السفر
وعوذوها بالسلا
ح والرقى من كل شر
ويناجي الشاعر رمسيس فرحا بما أحرزته مصر على يد الثورة من أمجاد، فقد طهرت البلاد من أرجاس المستعمرين، ولو أن رمسيس رأى البلاد قبل الثورة لخزي لما يراه في مصر من خور تنحني له الرءوس خجلا، وينفطر له القلب أسى، ورام لو عاد إلى وحشة الصحراء، حتى لا يرى عار احتلال الأجنبي للبلاد؛ فقد دام سبعين عاما عاث فيها فسادا وظلما، حتى أرسل لها القدر من خلصها من عار ذلك الدنس، يقول الشاعر:
رمسيس، لو في مصر قب
ل اليوم لحت للنظر
لكان أخزاك الذي
يلقاك فيها من خور
وكان رأسك انحنى
وكان قلبك انفطر
ورمت لو عدت إلى الص
حراء زهدا في الحضر
هذا هو المحتل يج
لو بعدما في مصر قر
سبعين عاما عاث في
ها، واسترق وهدر
مستوزرا منها الذي
هان، ومان،
5
وغدر
حتى أتاها قدر
من جانب الغيب ظهر
فاجتث، واحتث،
6
ونم
ى وبنى، ثم عمر
ويختم الشاعر قصيدته متحدثا عن العدو الرابض لنا في الشرق، كما كان العدو رابضا لرمسيس في الشرق أيضا. وإذا كان رمسيس قد قضى على عدوه في معركة «قادش»، فإن الشاعر يتمنى أن يلقى العدو في معركة قادش أخرى يهزمه فيها هزيمة نكراء، فيقول:
رمسيس، يا سليل «رع»
سل «رع» يقي مصر الخطر
ما زال في الشرق لنا
خصم كخصمك انتظر
يا ليتنا في «قادش»
أخرى لقيناه، ففر
7
ويحس شاعر آخر أن رمسيس عندما هب من نومه واقفا على قدميه ظن أنه قد بعث، وكان على مدى العصور يحلم بالبعث ويتوق إليه، فأخذ يتساءل أين جنده وقصوره وعواصم بلاده، والمعبد الذي أقامه، ومن يملؤه من العباد؟ بل أين قلبه الذي يحس به الحياة والخلود؟
ويسرع الشاعر فيجيبه بأن ذلك بعث حقيقي؛ لأن النيل قد استيقظ بنوه، يستمدون مجدهم من مجد رمسيس، فلم يبق في الوادي نائم ولا كسلان، ولا خاضع ذليل، بل قد غدا الشعب كخلايا النحل، يعمل في جد ودأب، حتى أحال الصحاري التي كانت خرابا جنة مزدهرة. أما جيش رمسيس فهو في الوادي قد شمر عن ساعديه للأحداث، فجنده أسود في الحرب، ويحمون الحقوق في السلم.
وكل ما يمكن أن يراه رمسيس من فرق بين ما يراه اليوم وما كان يراه بالأمس، هو أن شعبه كان يدين بالعبادة لآمون، في حين أنه يدين اليوم لإله عزيز، رحيم، واحد، خالد، خلق الخلق كما شاء.
لقد بعث رمسيس اليوم في أشخاص أبنائه، فكلهم له قلب رمسيس وعزمه، وقد صمموا أن يكتبوا لأنفسهم تاريخا مجيدا، وأن يتخذوا من معركة قادش نموذجا ينسجون على منواله، يقول الشاعر:
هب من نومه على قدميه
ينشد البعث، وهو بين يديه
وصحا فاستقام يلقي على الد
نيا سؤالا يجول في عينيه
أوحقا بعثت للنيل أم أن
خيالي بالبعث يهفو إليه؟
أين جندي؟ وأين ركبي؟ وجيشي؟
وعتادي أمضي وأغدو عليه
أين ممفيس؟ أين طيبة؟ والمع
بد والعابدون في ساحتيه؟