وفي ظلال العلا أجنادك انتظموا
يستلهمونك أمجادا لها انتصروا
سارت جحافلهم في الأرض تثقلها
كأنها السيل في الوديان ينهمر
عنت لسيفك أعناق متوجة
بالغار من قبل أن تذرى بها النذر
في مركب لك هام الدهر تحمله
والشمس ترعاه، والأفلاك والقمر
ودق بأسك حصنا كان سامقه
يطاول النجم، حتى ما له أثر
حتى انفردت بمجد الدهر أجمعه
فما تخطاك من عليائه وطر
والنصر بشراه في الآفاق تطلقها
أبواق جندك في الوادي، وقد ظفروا
1
وهذا شاعر يرى رمسيس قد عاد بعد هذه القرون الطويلة والأجيال المتعاقبة، عاد في موكب من المجد تنطق به الأفعال لا الأقوال، عاد يمشي في شعبه، رهيب الخطوة، فارع الطول، شامخ الأنف، رائع الجمال، يمسك بيده صحيفة أعماله التي سجل فيها كفاحه ونضاله.
وهنا يمجد الشاعر شعب مصر القديمة الذي أنشأ هذا التمثال الرائع، ويرى هذا الشعب صانع المجد، باعث الفن، قد سكب روحه في المعابد والأهرام، ويرى رمسيس رمز هذا الشعب الأبي؛ إذ يقول:
من وراء القرون والأجيال
عاد، لكن في صورة التمثال
عاد يزهو في موكب من فخار
صامت القول ناطق الأفعال
عاد يمشي في شعبه مشية الأم
س رهيب الخطى فسيح المجال
فارع الطول، شامخ الأنف، يبدو
رائع الفن، عبقري الجمال
في يديه صحيفة القدر الغا
لب مكتوبة بروح النضال
من بطون التاريخ ينشر ألوا
نا من الزهر والنقوش الغوالي
دبجتها الأكف من شعب مصر
صانع المجد في العصور الخوالي
باعث الفن والحياة بوادي الن
يل بين المصب والشلال
ساكب الروح في المعابد والأه
رام تجري بكهرب سيال
فهو رمز العلا لشعب أبي
بين أقرانه، عزيز المنال
وصور الشاعر خروج الشعب للقاء تمثال رمسيس، وما أثارته رؤيته في نفسه من ذكريات قديمة وحديثة، فتخيله راكبا عجلة الحرب يصمي أعداءه بالنبال، وتخيله قائدا مغوارا يهجم على أعدائه في معاقلهم، وتخيله وهو يبني معبد الرمسيوم، وتمثله في قرية «البدرشين» وهو ملقى في ساحتها طريح الرمال في مهب الريح ينظر إلى السماء، شاكيا ما وصل إليه أمره من سوء المآل بعد عز الحياة، حتى قيض الله له من نفض التراب عنه، ورفعه أمام الزمان أصيد عالي المكان. وهذه بعض أبيات تصور هذه الذكريات:
خرج الشعب كله يتملى
وجه رمسيس ذي العلا والجلال
كان عهدي به على عجلات ال
حرب يصمي أعداءه بالنبال
كان عهدي به أخا الفتح يغشى
في حمى الغاب موطن الرئبال
كان عهدي به أخا المجد يعلي
معبد «الرمسيوم» بين الجبال
وعندما كان في البدرشين:
طالما هبت الرياح عليه
وهو في ساحها طريح الرمال
ناظر للسماء يشكو إليها
بعد عز الحياة سوء المآل
يتمنى على المدى من بني مص
ر جريئا في فعله لا يبالي
ينفض الترب والغوائل عنه
ليراه الزمان أصيد
2
عال
ثم يناجيه الشاعر بما أثارته رؤيته في نفوس المصريين من آمال كبار في المجد والنصر، ويراه خطيبا بما اتصف به من الخصال السامية.
ويرحب الشاعر برمسيس في مصر الحديثة بعد الثورة، فقد تطهرت من عار الاحتلال، وصارت أمة تسعى إلى المجد والعلا، قد حزمت أمرها واتحدت كلمتها، وتخلص حتى السجين من الأغلال، فيقول له:
هذه مصر رحبت بك يا رم
سيس في موكب من الأبطال
فادخل اليوم أرضها، فهي طهر
غسلت من هزيمة واحتلال
ستراها كما عهدت قديما
أمة المجد والنهى والمعالي
حزمت أمرها اتحادا، وثابت
للهدى بعد فرقة وضلال
عيدها أن تراك فيها، وما ير
سف حتى السجين في الأغلال
3
أما هذا الشاعر فيستوقف نظره تمثال رمسيس وهو راقد في صحراء البدرشين؛ حيث تضربه الشمس نهارا ويناجيه القمر ليلا، فلو أن التمثال كان حديدا لانصهر في حرارتها. لقد مرت عليه آلاف الأعوام وتهاوت كما تهاوت أوراق الشجر لم تغير منه شيئا، يقول الشاعر:
من ذلك الراقد في الص
حراء من دهر غبر
تضربه الشمس، وفي الل
يل يواسيه القمر
لو أنه كان حدي
دا في لظاها
4
لانصهر
آلاف أعوام تها