تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فقلت: يا ماجدها وجعدها

81

لو لم تك ابن الشمس كنت رئدها

82

لحدك ودته النجوم لحدها

أريتنا الدنيا به وجدها

سلطانها وعزها ورغدها

وكيف يعطى المتقنون خلدها

آثاركم يخطي الحساب عدها

انهدم الدهر، ولم يهدها

ولم يكن الشاعر هنا برغم احتلال الإنجليز للوطن المفدى متشائما، بل كان يرى مصر قد بلغت حدا من الرشد يبشر بمستقبل سعيد، وكانت ثورتها المباركة سنة 1919 دليل يقظة ورشد، فأرسلت وفدها إلى أوروبا، وأقامت البرلمان تستقبل فيه نواب البلاد، ولعل ذلك كان نقطة لبدء العمل الجليل لبناء مستقبل رشيد:

مصر الفتاة بلغت أشدها

وأثبت الدم الزكي رشدها

ولعبت على الحبال وحدها

وجربت إرخاءها وشدها

فأرسلت دهاتها ولدها

83

في الغرب سدوا عنده مسدها

وبعثت للبرلمان جندها

وحشدت للمهرجان حشدها

84

ويختم هذه الأرجوزة بالدعاء لمصر أن يقوي الله يدها، ويشد أزرها، وأن يفتح أمامها السبل ولا يسدها، وأن يجعلها تقدر لكل خطوة ما بعدها، وأن يبعدها عن صغار الأمور، ويوجهها إلى العظائم، حتى لا تذهب دماء الضحايا هدرا، وأن يكبح هوى النفوس ويكسر أحقادها، ويجمع القلوب على حب مصر الأم الرءوم، وأن يجعل النبوغ من حظ أبنائها، وألا تخلق بيديها من يستبد بأمورها.

ولعل الكشف عن آثار توت عنخ آمون، وقيام الثورة المصرية المباركة، وفتح البرلمان أبوابه لاستقبال نواب البلاد هو الذي أثار هذه الأماني الطيبة في صدر شوقي عندما قال:

يا رب قو يدها، وشدها

وافتح لها السبل، ولا تسدها

وقس لكل خطوة ما بعدها

وعن صغيرات الأمور حدها

واصرف إلى جد الشئون جدها

ولا تضع على الضحايا جهدها

واكبح هوى الأنفس، واكسر حقدها

واجمع على الأم الرءوم ولدها

واملأ بألبان النبوغ نهدها

ولا تدعها تحي مستبدها

وتنتحت براحتيها فردها

وهو هنا، كما سبق في شعره، يكره حكم الفرد ويمجد الشورى، وهكذا كان الكشف عن آثار توت عنخ آمون مثيرا لخواطر متنوعة في شعر شوقي، فحينا هو فخور بالمجد المصري القديم، تياه بهذه الحضارة الرفيعة التي دل عليها كشف ذلك القبر، وحينا يصف هذا الكنز الثمين، وحينا يوازن بين الماضي والحاضر، وحينا يتفاءل بمستقبل مزدهر لهذا الوطن العزيز، ولكنه في جميع الحالات لا يطمئن إلى حكم الفرد، ولا يرتاح إلى استبداده.

ومن كل ما عرضناه يبدو تبريز شوقي في وصف الآثار المصرية؛ مما يجعلنا نشعر بصدقه يوم افتخر بسيفه في ميدان الوقوف عند آثار مصر والإشادة ببناتها فقال:

هذا المقام عرفته

وسبقت فيه القائلين

| تمثال رمسيس

كان نقل تمثال رمسيس من البدرشين حيث كان، إلى محطة القاهرة حيث أقيم، مثيرا في نفوس الشعراء كثيرا من الذكريات والخواطر، فهذا شاعر قد أثار فيه نقل التمثال ذكريات تاريخية عن رمسيس، هي ذكريات مجده الحربي، فتخيل رمسيس على رأس جيشه، وقد ملأ الوادي صهيل خيله، وزلزل الأرض هدير صوته الذي لا تزال ربى النيل تردده، وقد انتظم جنده من حوله يرون فيه القائد المظفر. إنهم يكونون جحفلا جرارا كأنهم السيل المنهمر يثقلون كاهل الأرض، لهم شجاعة الجبابرة الذين يطلبون أن يخلد التاريخ شجاعتهم، ولهم أصوات مفزعة.

أما رمسيس فتعنو لسيفه الأعناق المتوجة، وتهوي به يمينه كالقدر يردي فلول المنهزمين أمام بسالته، تحمله مركبة يحملها الدهر، ويرعاها الشمس والقمر، يسدد منها سهام الموت تحصد أعداءه، فتهون عزيمتهم أمام عزمه، ويدق بأسه الحصون السامقة، حتى انفرد في عصره بالمجد لا يشاركه فيه سواه.

وها هو ذا يعود إلى وطنه تطلق أبواق جنده عودته منتصرا على أعدائه، ذكريات يسجلها الشاعر فيقول:

رمسيس، ما أروع التاريخ محتشدا

وقد ذكرت فأصغت للعلا السير

صهيل خيلك في الوادي تردده

ملاحن جاوبتها الريح والشجر

وزلزل الأرض إيقاعا وتصدية

هدير صوتك والماضون قد نشروا

الآثار المصرية في الأدب العربي · الصفحة ٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الآثار المصرية في الأدب العربيص ٢٥