تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

البر مغلوب القنا

والبحر مسلوب السفين

لما نظرت إلى الديا

ر صدفت

67

بالقلب الحزين

لم تلق حولك غير «كر

تر» والنطاسي المعين

أقبلت من حجب الجلا

ل على قبيل معرضين

والله يعلم لم يرو

ه من قرون أربعين

وتبدو لوعة شوقي بالغة في هذا الجزء من القصيدة على ما وصلت إليه مصر من الضعف في ذلك الحين، فقد أحس بالملك المصري القديم حزينا أشد الحزن عندما فتح عينيه على وطن ألفه قويا بالغ القوة، عزيزا راسخ العزة، فوجده على غير ما اعتاد أن يراه، رآه بلدا أعزل، لا سلاح يحمي بره، ولا أسطول يدافع عن بحره؛ فلا غرابة إن أعرض عن الديار بقلب متألم حزين.

ولم لا يحزن وهو لم ير حوله أبناءه المصريين هم الذين اهتدوا إلى قبره، بل وجد وجها غريبا، وسحنة لا تمت بصلة إليه؟!

ولم لا يحزن وهو يرى قومه لا يسهمون في بناء الحضارة وإشادة المجد، كما كان هو يساهم في ذلك بحظ وفير؟!

ولكن الشاعر برغم تمجيده للملك المصري وحضارة عصره لا يقبل حكم الفرد، ولا يرضى عن حكم الجمهور نفسه بديلا، ويرى أولئك الذين يقبلون حكم الفرد متخلفين في التفكير، متأخرين لا يعيشون في عصرهم. واستمع إلى شوقي إذ يقول:

قسما بمن يحيي العظا

م، ولا أزيدك من يمين

لو كان من سفر إيا

بك أمس أو فتح مبين

أو كان بعثك من دبي

ب الروح أو نبض الوتين

68

وطلعت من وادي الملو

ك عليك غار الفاتحين

الخيل حولك في الجلا

ل العسجدية ينثنين

69

وعلى نجادك هالتا

ن من القنا والدارعين

70

والجند يدفع في ركا

بك بالملوك مصفدين

71

لرأيت جيلا غير جي

لك، بالجبابر لا يدين

72

ورأيت محكومين قد

نصبوا،

73

وردوا الحاكمين

إن الزمان وأهله

فرغا من الفرد اللعين

فإذا رأيت مشايخا

أو فتية لك ساجدين

لاق الزمان تجدهمو

عن ركبه متخلفين

هم في الأواخر مولدا

وعقولهم في الأولين

وتبدو نظرة شوقي الحزينة أيضا في أرجوزة أخرى ناجى بها توت عنخ آمون؛ حيث ثار على الضعف الذي كان عليه الوطن، فتخيل الملك المصري كما كان، قائدا مغوارا يقود جيشا يملأ السهل والجبل، يمضي به فاتحا منابع النيل.

ويحدثه عما اكتسبه وادي الملوك من الشهرة والازدهار يوم كشف عن قبر هذا الملك، الذي أعاد إلى الأذهان ذكرى دولة الفراعنة، الذين أبلت آثارهم قوى الدهر وفلت سطوته.

وظلت آثار الملك الراحل تسافر عبر القرون، حتى انقضى أربعون قرنا، حتى إذا عاد إلى وطنه وجد به إنجلترا وجيشها ومندوبها مقيمين فيه مسلولي السيوف؛ لتحمى الهند، وتفصل السودان، وتقتطع قناة السويس. يقول الشاعر للملك المصري القديم:

قم سابق «الساعة»،

74

واسبق وعدها

الأرض ضاقت عنك، فاصدع غمدها

واملأ رماحا غورها ونجدها

وافتح أصول النيل واستردها

شلالها، وعذبها، وعدها

75

واصرف إلينا جزرها ومدها

تلك الوجوه لا شكونا فقدها

بيضت القربى لنا مسودها

سللت من «وادي الملوك» فازدهى

وألقت الشمس عليه رأدها

76

واسترجعت دولته إفرندها

77

أبيض ريان المتون وردها

أبلى ظبى الدهر، وفل حدها

وأخلق العصور واستجدها

سافر أربعين قرنا عدها

حتى أتى الدار فألفى عندها

إنجلترا، وجيشها، ولوردها

مسلولة الهندي تحمي هندها

قامت على السودان تبني سدها

وركزت دون القناة بندها

78

وكانت هذه المفاجأة التي فوجئ بها الملك المصري مذهلة محزنة، فقال في حسرة: ليتني ظللت في القبر مختفيا وراء جدرانه، ولم أنتبه من رقدتي. حدثني أيها الشاعر المصري القديم عما حدث بعدي من لعب مصر واستهتارها، ونسيت جلال الآباء والأجداد، ولم يصدها عن هذا الاستهتار جلال الموت، ولا هيبة من ماتوا، يقول شوقي على لسان ملك مصر:

فقال والحسرة ما أشدها

ليت جدار القبر ما تدهدها

79

وليت عيني لم تفارق رقدها

قم نبني يا بنتئور،

80

ما دها؟

مصر فتاتي لم توقر جدها

دقت وراء مضجعي جازبندها

قد سحبت على جلالي بردها

ليت جلال الموت كان صدها

وهنا يمجد شوقي الملك المصري القديم، ويمجد ملوك مصر القديمة بعامة إذ يقول:

الآثار المصرية في الأدب العربي · الصفحة ٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الآثار المصرية في الأدب العربيص ٢٤