تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أنزلت حفرة هالك

أم حجرة الملك المكين؟

أم في مكان بين ذ

لك يدهش المتأملين؟

هو من قبور المتلف

ن، ومن قصور المترفين

لم يبق غال في الحضا

رة لم يحزه، ولا ثمين

ملك تحيط به الحيا

ة زمانه معه دفين

وذخائر من أعصر

ولت، ومن دنيا ودين

حملت على العجب الزما

ن، وأهله المستكبرين

فتلفتت «باريس» تح

سب أنها صنع البنين

ويفصل شوقي بعدئذ ما عثر عليه في ذلك القبر من ذهب لم تذهب السنون ببريقه الوهاج، وقد صنعت أيدي القيون من هذا الذهب صفائح وسبائك وتوابيت متوهجة لا يتخذها الموتى. ولو أنهم فطنوا لهذه النواويس لمضوا ينبشون عنها، وحاول كل واحد أن تكون له. وقد فصل الكفن برقائق من الذهب، وقد لفه في رفق محنط رزين رفيق، كما يلف الطبيب الضماد في حنان، كما تحنو الكمائم على أوراق الورد.

وبدا القبر مزخرفا بالصور والصحف والتماثيل الرائعة، فيخيل إليك أنك في معبد للأصنام، وترى الصور تمثل لك الحركة، وتعبر لك في وضوح عما تريد، وقد مرت عليها عصور تلو عصور، ودهانها غض برغم الزمن المتطاول، حي لم تمته القرون. لقد خدع العيون فظنته حديث العهد، ومضت الأيدي تتلمسه لتتأكد من حياته وغضارته.

إن مظاهر الحياة تحيط بالملك في قبره، فصور غلمان القصر تجسمهم أمام أعيننا كأنهم لا يزالون يزاولون الصيد ويناولونك السهام، وكأن البوق يدوي صوته في الفضاء، والسهام والأقواس ترن، وكلاب الصيد تلهث لطول جريها، والخيل تجري في جنون، والوحش ينفر بين يديك يجري في السهول، وحينا يثب الجبال، والطير يئن من جراحه.

وكأن الناس قد اجتمعوا إليك من كل فج، وكأننا لا نزال نعيش في عهد الفراعنة. ولننصت إلى هذا الشعر الذي يصور في قوة وروعة تلك الآثار الدفينة في هذا القبر، فيقول:

ذهب ببطن الأرض لم

تذهب بلمحته القرون

استحدثت لك جندلا

وصفائحا منه القيون

53

ونواوسا وهاجة

لم يتخذها الهامدون

54

لو يفطن الموتى لها

سرحوا الأنامل ينبشون

وتنازعوا الذهب الذي

كانوا له يتفاتنون

أكفان وشي فصلت

برقائق الذهب الفتين

55

قد لفها لف الضما

د محنط آس رزين

56

وكأنهن كمائم

57

وكأنك الورد الجنين

وبكل ركن صورة

وبكل زاوية رقين

58

وترى الدمى فتخالها ان

تثرت على جنبات زون

59

صور تريك تحركا

والأصل في الصور السكون

ويمر رائع صمتها

بالحس كالنطق المبين

صحب الزمان دهانها

حينا عهيدا

60

بعد حين

غض على طول البلى

حي على طول المنون

خدع العيون، ولم يزل

حتى تحدى اللامسين

غلمان قصرك في الركا

ب يناولون ويطردون

61

والبوق يهتف، والسها

م ترن، والقوس الحنون

وكلاب صيدك لهث

62

والخيل جن لها جنون

والوحش تنفر في السهو

ل، وتارة تثب الحزون

والطير ترسف

63

في الجرا

ح، وفي مناقرها أنين

وكأن آباء البري

ة في المدائن محضرون

وكأن دولة «آل شم

س»

64

عن شمالك واليمين

ويناجي شوقي الملك ويسميه ملك الملوك، ويحييه تحية ولاء وحب، ويسجل في شعره أنه مغرم بالوقوف عند آثار المجد، والاستغراق فيما توحي به من عظمة وجلال، ويرى أن هؤلاء الفراعنة مثل عليا ترفع أمام الشباب ليقتدوا بهم، ويعملوا على أن يكونوا مثلهم في حب الخلود، والغرام بالإتقان، ويؤمن بأن تاج مصر إنما استقر على جبين ملوكها معتمدا على ما كان لمصر من قوة حربية مستعدة، فتسمعه يقول:

ملك الملوك تحية

وولاء محتفظ أمين

هذا المقام عرفته

وسبقت فيه القائلين

ووقفت في آثاركم

أزن الجلال، وأستبين

كنتم خيال المجد ير

فع للشباب الطامحين

تاج تنقل في الخيا

ل، فما استقر على جبين

خرزاته السيف الصقي

ل يشده الرمح السنين

65

وهنا تثور في نفس شوقي آلام ممضة عندما يوازن بين القوة الحربية القديمة لمصر، وبين ما كانت عليه مصر من الضعف عندما كشف قبر توت عنخ آمون. ويبدو الألم البالغ في قول شوقي:

قل لي: أحين بدا الشرى

لك، هل جزعت على العرين؟

66

آنست ملكا ليس بالشا

كي السلاح ولا الحصين

الآثار المصرية في الأدب العربي · الصفحة ٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الآثار المصرية في الأدب العربيص ٢٣