تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أفضى الحمام على أبيه همة نفسه

في المجد والباني على أحسابه

أفضى إلى ختم الزمان ففضه

وحبا إلى التاريخ في محرابه

وطوى القرون القهقرى، حتى أتى

فرعون بين طعامه وشرابه

المندل الفياح عود سريره

واللؤلؤ اللماح وشي ثيابه

37

وكأن راح القاطفين فرغن من

أثماره صبحا، ومن أرطابه

38

جدث حوى ما ضاق «غمدان» به

من هالة الملك الجسيم وغابه

39

بنيان عمران، وصرح حضارة

في القبر يلتقيان في أطنابه

40

فترى الزمان هناك قبل مشيبه

مثل الزمان اليوم بعد شبابه

وتحس ثم العلم عند عبابه

تحت الثرى، والفن عند عجابه

41

والشاعر هنا معجب بما في القبر من آثار، ويراها مظاهر عمران وحضارة باذخة لا تقل عن هذه الحضارة التي نعيش اليوم فيها، وتريك هذه الآثار أنها ثمرة علم ناضج متبحر، وفن تجاوز غاية الإعجاب.

ويؤكد هذا المعنى في القصيدة نفسها فيقول:

أخرجت من قبر كتاب حضارة

الفن والإعجاز من أبوابه

42

وخص شوقي توت عنخ آمون وحضارة عصره بقصيدة مطولة أخرى، بدأها بالحديث عن هذا الكنز الذي مضت عليه القرون، فازداد بمضيها قدرا وقيمة. إنه كالسيف قد مضى الزمان عليه في غمده؛ حيث يقيم في مكان كأنه الغيب المكنون لا تصل إليه الظنون، حتى جاء العلم فكشف سره المصون، وأهل العلم كأهل بدر حلال لهم كل ما يصنعون.

لقد كشف العلم عن حضارة رائعة، وفن رفيع، واندس العلم يزيح الظلام عن أسرار هذه المخبآت وتلك الحفر المظلمة، وهذه الحجر التي تشبه المعاقل المرتفعة، والحصون العالية التي لا تهتدي إليها الريح العاصفة، ولا الغيث المدرار، وقد لجأ إليها الملك يستأمنها على نفسه وثروته، فخانت هذه الأمانة يوم باحت بسرها الدفين.

درجت على الكنز القرون

وأتت على الدن السنون

43

خير السيوف مضى الزما

ن عليه في خير الجفون

44

في منزل كمحجب ال

غيب استسر عن الظنون

45

حتى أتى العلم الجسو

ر، فغض خاتمه المصون

والعلم «بدري» أح

ل لأهله ما يصنعون

46

هتك الحجال

47

على الحضا

رة، والحذور على الفنون

واندس كالمصباح في

حفر من الأجداث جون

48

حجر ممردة المعا

قل في الثرى شم الحصون

49

لا تهتدي الريح الهبو

ب لها، ولا الغيث الهتون

50

خانت أمانة جارها

والقبر، كالدنيا، يخون

وينتقل شوقي إلى مناجاة للملك المصري، ويبدو في هذه المناجاة الحب والإعجاب؛ إذ يرى المصريين القدماء قد انفردوا بين العالم كله بحب الخلود، فربى ذلك في نفوسهم خلقا يتميزون به من بين الناس جميعا هو إتقانهم لكل ما يصنعون، ورغبتهم في إحسان ما يعملون.

وإذا كان الهدف الذي يسعون إليه هو الخلود، فإنهم ليسوا كالناس يبعثون بعد موت. ويسألهم شوقي أيسبقون العالم يوم القيامة كما كانوا السابقين في هذه الحياة الدنيا؟

ويبدو إعجاب شوقي بالغا عندما يجعل المصريين القدماء أصل الحضارة، والمحسنين في إشادة أركانها، والمتقنين الذين نالوا الخلود بسبب هذا الإتقان.

وتلمس الحب العميق والإعجاب البالغ عندما يقول شوقي مناجيا توت عنخ آمون:

يا ابن الثواقب من «رع»

وابن الزواهر من «أمون»

نسب عريق في الضحى

بذ

51

القبائل والبطون

أرأيت كيف يئوب من

غمر القضاء المغرقون

52

وتدول آثار القرو

ن على رحى الزمن الطحون

حب الخلود بنى لكم

خلقا به تتفردون

لم يأخذ المتقدمو

ن به، ولا المتأخرون

حتى تسابقتم إلى الإح

سان فيما تعملون

لم تتركوه في الجلي

ل، ولا الحقير من الشئون

هذا القيام فقل لنا: ال

يوم الأخير متى يكون؟

البعث غاية زائل

فان، وأنتم خالدون

السبق من عاداتكم

أترى القيامة تسبقون؟

أنتم أساطين الحضا

رة والبناة المحسنون

المتقنون، وإنما

يجزى الخلود المتقنون

وبعد هذا الحب والإعجاب بالحضارة المصرية القديمة، يتحدث عن قبر توت عنخ آمون، فيتساءل أهو قبر أم هو حجرة عرش الملك؟ إنه يبدو من قبور الموتى ومن قصور الأثرياء المتوفين، فليس هناك مظهر من مظاهر الحضارة إلا قد حواه ذلك المكان؛ فالملك الدفين تحيط به مظاهر الحياة، وكل آيات المدنية في عصره دينية ودنيوية، حتى انبهر أمام روعتها الزمن وأهله المعجبون بحضارتهم الراهنة، وظنت «باريس» أن ذلك المجد من صنع أبنائها، يقول شوقي:

الآثار المصرية في الأدب العربي · الصفحة ٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الآثار المصرية في الأدب العربيص ٢٢