تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويسأله عن قباب هذا القبر، وكيف ظلت مجهولة طول هذه القرون. إنها قباب ملساء يظنها الرائي برجا مدفونا في باطن الأرض، امتلأ بالأثاث فصار كأنه القصر، وتغطى بالصور فبدا كأنه المعبد.

ويعجب شوقي من حرص الملك على أن يدفن العرش معه، فهل ذلك لأنه يؤمل عودة إلى الحياة، ويكون له حينئذ ملك ودولة، أو لأنه سيبقى لكن وهو جالس على عرشه في حين يلقاه الناس مترجلين؟

ويعجب من الطعام وقد ظل ذا رائحة طيبة ومذاق طيب كما تركته أيدي صانعيه، لقد كان الملك لا يصبر عن الطعام يوما، فكيف صبر هذه المئين من الأحقاب؟

ثم يقول للملك: لقد حدث ما كان قومك يخافون؛ لأن الإنسان يحب أن ينبش أخاه حيا وهالكا، وها أنت ذا قد أخرجت من القبر يوم البعث، وسوف يأتي اليوم الذي تبعث فيه حقا إذا كان بعثك ليس بهذا البعث الموعود.

وما قيمة صيانة جسمك بعد الموت؟ إنك لا تحس بأذى بعد أن تفارق الحياة، ولا تشعر بألم، وإنما يشعر بذلك الأحياء. ولننصت إلى هذه المفاجأة الرائعة إذ يقول شوقي:

تعال اليوم أخبرنا: أكانت

نواك سنات نوم أم سنينا؟

20

وماذا جبت من ظلمات ليل

بعيد الصبح ينضي المدلجينا؟

21

وهل تبقى النفوس إذا أقامت

هياكلها، وتبلى إن بلينا؟

وما تلك القباب وأين كانت

وكيف أضل حافرها القرونا؟

ممردة

22

البناء تخال برجا

ببطن الأرض محطوطا دفينا

تغطى بالأثاث، فكان قصدا

وبالصور العتاق، فكان زونا

23

حملت العرش فيه، فهل ترجي

وتأمل دولة في الغابرين؟

24

وهل تلقى المهيمن فوق عرش

ويلقاه الملا مترجلينا؟

وما بال الطعام يكاد يقدى

25

كما تركته أيدي الصانعينا؟

ولم تك أمس تصبر عنه يوما

فكيف صبرت أحقابا

26

مئينا

لقد كان الذي حذر الأوالي

وخاف بنو زمانك أن يكونا

يحب المرء نبش أخيه ميتا

وينبشه، ولو في الهالكينا

سللت من الحفائر قبل يوم

يسل من التراب الهامدينا

فإن تك عند بعث فيه شك

فإن وراءه البعث اليقينا

ولو لم يعصموك لكان خيرا

كفى بالموت معتصما حصينا

يضر أخو الحياة، وليس شيء

بضائره إذا صحب المنونا

ثم يحدث الملك بأن الحكم المطلق قد انقضى، وحل مكانه حكم الشعب لنفسه، وأصبح الملوك ينزلون على حكم رعاياهم، وهكذا لم ينس شوقي وهو في غمرة الفخر تلك اللمحة إلى ما حدث في الحكم من تطور وتجديد؛ وذلك إذ يقول:

زمان الفرد يا فرعون ولى

ودالت

27

دولة المتجبرينا

وأصبحت الرعاة بكل أرض

على حكم الرعية نازلينا

28

أما القصيدة الثانية فقد تحدث فيها عن توت عنخ آمون، وهو في مجال ذكرى مكتشف قبره: «كارنارفون»، وهو في هذه القصيدة يتحدث عن أوبة الملك المصري القديم، وأنها ليست أوبة البعث، ويرجو أن يترك حيث هو في قبره بعيدا عن مظاهر الحكم والسلطان، لا أن يحمل، كما كان يحمل في حياته، فوق الرقاب؛ لأن الحاكم المستبد يطاق في قبره لا فوق عرشه:

ما آب جبار القرون، وإنما

يوم الحساب يكون يوم إيابه

29

فذروه في بلد العجائب مغمدا

لا تشهروه كأمس فوق رقابه

30

المستبد يطاق في ناووسه

لا تحت تاجيه، وفوق وثابه

31

والفرد يؤمن شره في قبره

كالسيف نام الشر خلف قرابه

32

ويستبعد الشاعر في هذه القصيدة أن يكون توت عنخ آمون قد تقمصت روحه بعوضة حقيرة لدغت كارنارفون وقتلته؛ لأن الملك المصري وفي لصحبه، ولا يمكن أن يكون ذلك جزاء من كشف عن قبره، وعرف الناس به:

هل كان «توتنخ» تقمص روحه

قمص البعوض ومستخس إهابه

33

أو كان يجزيك الردى عن صحبة

وهو القديم وفاؤه لصحابه

34

تالله، لو أهدى لك الهرمين من

ذهب لكان أقل ما تجزى به

أنت البشير به، وقيم قصره

ومقدم النبلاء من حجابه

35

أعلمت أقوام الزمان مكانه

وحشدتهم في ساحه ورحابه

لولا بنانك في طلاسم تربه

ما زاد في شرف على أترابه

36

ويصف الشاعر ما قام به اللورد الراحل من جهود، فقد فض الختم فأرانا أزمانا متطاولة، ونقلنا إلى فجر التاريخ، وكر راجعا إلى العصور القديمة حتى انتقل إلى فرعون في حياته العادية بين الطعام والشراب، متخذا عرشه من عود المندل الطيب الرائحة، ومحليا ثيابه باللؤلؤ الباهر الضياء، وكأنما الفاكهة قد جناها الجاني صباح اليوم لم يصبها تغير. لقد حوى القبر ما لم يستطع قصر غمدان أن يحويه، يقول شوقي:

الآثار المصرية في الأدب العربي · الصفحة ٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الآثار المصرية في الأدب العربيص ٢١