وراء الآبدات مخلدينا
إذا عمدوا لمأثرة أعدوا
لها الإتقان والخلق المتينا
وليس الخلد مرتبة تلقى
وتؤخذ من شفاه الجاهلينا
ولكن منتهى همم كبار
إذا ذهبت مصادرها بقينا
وسر العبقرية حين يسري
فينتظم الصنائع والفنونا
وآثار الرجال إذا تناهت
إلى التاريخ خير الحاكمينا
وأخذك من فم الدنيا ثناء
وتركك في مسامعها طنينا
ويعقد شوقي موازنة بين شباب اليوم وشباب الأمس فيرى شباب اليوم قانعين بالكلام دون العمل، ويغالون في تقدير ما يفعلون وإن كان ضئيلا فيسخط شوقي ويقول:
فغالي في بنيك الصيد غالي
فقد حب الغلو إلى بنينا
شباب قنع لا خير فيهم
وبورك في الشباب الطامحينا
ويعود إلى الفخر بعرش مصر القديم الذي كان أخا لعرش الشمس، وكان يتحلى بالعزة والجلال، ويقوم على دعائم من القوة في البر والبحر ويكلأ أمجاد ملوكه من أمثال رمسيس وخوفو ومينا الذين ارتفعت رءوسهم عزة وكبرياء وأبوا أن يخضعوا وأن يذلوا:
فناجيهم بعرش كان صنوا
لعرشك في شبيبته سنينا
9
وكان العز حليته، وكانت
قوائمه الكتائب والسفينا
وتاج من فرائده ابن سيتى
ومن خرزاته خوفو ومينا
10
علا خدا به صعر، وأنفا
ترفع في الحوادث أن يدينا
11
ويتعرض شوقي للدفاع عن هؤلاء الملوك، ويرد على من زعم أنهم ظلموا الرعية، وعسفوا بالعمال وجلدوا الخدم في سبيل إقامة هذه الآثار؛ وذلك أننا في أيامنا التي نعيش فيها ناقصون فلا يليق بنا أن نطالب الأولين بالكمال، وليس أدل على هذا النقص من سجن الباستيل بفرنسا؛ فقد كان يخفي وراء جدرانه سجناء أكل الحديد أجسامهم، ومن هذه البيع التي ارتفعت على أكتاف الظلم والسخرة، وكم ارتكب في بنائها من ألوان القسوة، برغم أنها شيدت لرسول الحب والحنان:
ولست بقائل: ظلموا، وجاروا
على الأجراء، أو جلدوا القطينا
12
فإنا لم نوق النقص، حتى
نطالب بالكمال الأولينا
وما البستيل إلا بنت أمس
وكم أكل الحديد بها سجينا
وربة بيعة
13
عزت، وطالت
بناها الناس أمس مسخرينا
مشيدة لشافي العمي عيسى
وكم سمل
14
القسوس بها عيونا
وبعد حديثه إلى اللورد كارنارفون الذي كشف عن قبر توت عنخ آمون، وتسجيله ما ذاع من أخذ بعض كنوز هذا القبر، يأتي الحديث عن قبر الملك الدفين فيخصه بالتحية، ويرى القبر لحسنه وطيبه تكاد حجارته تضيء، ويكاد طيبه تنتشر له رائحة زكية، ويخيل لرائيه أن حجارته لقداستها قد اقتطعت من جبل طور سيناء، الذي تجلى الرب عنده لموسى.
لقد كان نزيله يدعى ملكا، فصار اليوم يسمى كنزا ثمينا، لكن ذلك لا يحول دون الهتاف له كما كان بنو شعبه يهتفون، إذ لم ينقص له مقدار، فلا تزال له مهابته وجلاله الذي استمر برغم مرور القرون الأربعين التي مرت منذ عهده، بل إن جلال الملك أيام تنقضي، ولا ينقضي جلال الخالدين.
ويرحب شوقي بالملك القادم، ويحيي مقدمه المبارك، ويهدي إليه السلام يوم مات، ويوم كشف قبره. لقد ظهر إلى الوجود كما ظهر عيسى، عليه جلالة ووقار، وأخذ اسمه يجوب أرجاء العالم سهوله وجباله:
خليلي، اهبطا الوادي، وميلا
إلى غرف الشموس الغاربينا
وسيرا في محاجرهم
15
رويدا
وطوفا بالمضاجع خاشعينا
وخصا بالعمار وبالتحايا
رفات المجد من توتنخمينا
وقبرا كاد من حسن وطيب
يضيء حجارة، ويضوع
16
طينا
يخال لروعة التاريخ قدت
جنادله العلا من «طور سينا»
وكان نزيله بالملك يدعى
فصار يلقب الكنز الثمينا
وقوما هاتفين به، ولكن
كما كان الأوائل يهتفونا
فثم جلالة قرت، ورامت
17
على مر القرون الأربعينا
جلال الملك أيام وتمضي
ولا يمضي جلال الخالدين
وقولا للنزيل: قدوم سعد
وحيا الله مقدمك اليمينا
18
سلام يوم وارتك المنايا
بواديها، ويوم ظهرت فينا
خرجت من القبور خروج عيسى
عليك جلالة في العالمينا
يجوب البرق باسمك كل سهل
ويخترق البخار به الحزونا
19
ويسأل شوقي توت عنخ آمون عن فراقه لهذه الحياة الدنيا: أكان قصيرا كأنه سنة نوم، أم طال فاستغرق السنين الطوال؟ وكيف قطع في ظلام القبر ليلا طويل الأمد، لا يصل المرء إلى صبحه إلا بعد عناء وضنى؟ ويسأله عن سر الاحتفاظ بالجسد بعد موته، وهل ذلك لأن النفوس تبقى ما دامت أجسامها باقية، وتفنى إذا فنيت هذه الأجسام.