وإذا همو حجوا القبور حسبتهم
وفد «العتيق» بهم ترامى الأينق
11
يأتون «طيبة» بالهدي أمامهم
يغشى المدائن والقرى ويطبق
12
فالبر مشدود الرواحل محدج
والبحر ممدود الشراع موسق
13
حتى إذا ألقوا بهيكلها العصا
وفوا النذور، وقربوا، واصدقوا
وجرت زوارق بالحجيج كأنها
رقط
14
تدافع، أو سهام تمرق
من شاطئ فيه الحياة لشاطئ
هو مضجع للسابقين، ومرفق
15
غربوا غروب الشمس فيه، واستوى
شاه ورخ في التراب وبيدق
16
حيث القبور على الفضاء كأنها
قطع السحاب أو السراب الديسق
17
للحق فيه جولة، وله سنا
كالصبح من جنباتها يتفلق
18
نزلوا بها، فمشى الملوك كرامة
وجثا المدل بماله والمملق
19
ضاقت بهم عرصاتها، فكأنما
ردت ودائعها الفلاة الفيهق
20
وتنادم الأحياء والموتى بها
فكأنهم في الدهر لم يتفرقوا
وهو شعر يعطينا صورة حية لما كان يحدث في تلك الأزمان من عناية الناس بزيارة هيكل طيبة وقبور وادي الملوك، كما فسر الشعر قبله سر عناية المصريين القدماء بقبورهم أكثر من بيوتهم التي يعيشون فيها.
| توت عنخ آمون
ومن تلك المقابر التي ظفرت بعناية شوقي وإبداعه مقبرة توت عنخ آمون، وما وجد فيها من آثار ظفرت بإعجاب العالم أجمع عندما كشف عنها.
وقد نظم شوقي فيها عدة قصائد: منها تلك القصيدة التي بدأها بمناجاة الشمس وسؤالها عما حدث في القرون الماضية لأنها رأت مصارع الأمم وسقوطها، فجدير بها أن تروي الأخبار وتعرف أنساب الناس وهي التي تلد ثم تأكل ما ولدت، وفي ذلك يقول شوقي:
قفي يا أخت يوشع خبرينا
أحاديث القرون الغابرينا
1
وقصي من مصارعهم علينا
ومن دولاتهم ما تعلمينا
2
فمثلك من روى الأخبار طرا
ومن نسب القبائل أجمعينا
3
نرى لك في السماء خضيب قرن
ولا نحصي على الأرض الطعينا
4
مشيت على الشباب شواظ نار
ودرت على المشيب رحى طحونا
5
تعينين الموالد والمنايا
وتبنين الحياة وتهدمينا
فيا لك هرة أكلت بنيها
وما ولدوا، وتنتظر الجنينا
وهذه المناجاة مناسبة كل المناسبة لحديثه عن هذا الملك المصري القديم، فهو - كما زعموا - ينحدر من الشمس من ناحية، وقد شاهدت الشمس ملكه وملك آبائه ومن جاء بعده من ناحية ثانية.
وينتقل شوقي من مناجاته للشمس واهبة الحياة والموت إلى حديثه إليها أما لملوك مصر القديمة، مباهيا بهؤلاء الملوك، ممتلئ القلب إعجابا بأمجادهم؛ فقد رآهم ملوكا جديرين بالملك، أناروا الأرض بحضارتهم، حينما كانت الدنيا في ظلام دامس، وكان الناس يعيشون في ضلال مبين، أخذت روما من حضارتهم، واقتبست أثينا من نور علمهم؛ إذ يقول:
أأم المالكين بني أمون
ليهنك أنهم نزعوا
6
أمونا
ولدت له المآمين الدواهي
ولم تلدي له قط الأمينا
7
فكانوا الشهب حين الأرض ليل
وحين الناس جد مضللينا
مشت بمنارهم في الأرض روما
ومن أنوارهم قبست أثينا
ويمضي شوقي مليئا بالفخر يتحدث عن هؤلاء الملوك الذين اتخذوا قبورهم في وادي الملوك، محجبين كما كانوا في حياتهم محجبين بالجلال. إنهم اليوم مقيدون في حياتهم تساق لهم الملوك أسرى في القيود والأغلال. وتنطلق صيحة إعجاب من شوقي بهم، فيرى أن أعمالهم المجيدة خارقة للسعادة كأنها السحر، ويرى من مظاهر هذا السحر أنهم ينطقون الحجر الأصم بما يقومون به من إتقان تنطق بما يراد منها. لقد أغرموا بالخلود، فعمدوا إلى بناء الآثار الخالدة التي تقوم على دعائم من الخلق المتين، وإتقان ما يصنعون، وأن الخلد لا ينال في سهولة ويسر؛ لأنه يحتاج إلى الهمم الكبيرة، والعبقرية الخارقة التي يمجدها التاريخ، وتدع الدنيا لسان ثناء، وأذنا تصغي إلى مجد الخالدين:
ملوك الدهر بالوادي أقاموا
على وادي الملوك محجبينا
فرب مصفد منهم، وكانت
تساق له الملوك مصفدينا
8
تقيد في التراب بغير قيد
وحل على جوانبه رهينا
تعالى الله كان السحر فيهم
أليسوا للحجارة منطقينا؟!
عدوا ينبون ما يبقى، وراحوا