تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قل لها في الدعاء لو كان يجدي

يا سماء الجلال، لا صرت أرضا

حار فيك المهندسون عقولا

وتولت عزائم العلم مرضى

أين ملك حيالها وفريد

من نظام النعيم أصبح فضا

30

أين فرعون في المواكب تترى

يركض المالكين كالخيل ركضا

ساق للفتح في الممالك عرضا

وجلا للفخار في السلم عرضا

أين «إيزيس» تحتها النيل يجري

حكمت فيه شاطئين وعرضا؟

أسدل الطرف كاهن ومليك

في ثراها، وأرسل الرأس خفضا

يعرض المالكون أسرى عليها

في قيود الهوان عانين جرضى

31

ما لها أصبحت بغير مجير

تشتكي من نوائب الدهر عضا

هي في الأسر بين صخر وبحر

ملكة في السجون فوق حضوضى

32

أين «هوروس» بين سيف ونطع؟

أبهذا في شرعهم كان يقضى؟

33

وهكذا خلد الشعر تلك الهياكل الضخمة في بنائها، المليئة بأسرارها، والتي كانت مقر عبادة آلهة المصريين القديمة، وموطن خشوعهم وتقديسهم. وقد راع الشعراء فيها تلك الضخامة، ودقة الصنع، وإحكام البناء.

وصور الشعر ما أحس به الشعراء من الإجلال والتقديس لدى هذه الهياكل المقدسة، وما أثارت في نفوسهم من ذكريات تاريخية مجيدة.

| المقابر

وكانت عناية المصريين القدماء بمقابرهم من ناحية حفرها في أعماق الصخور مثار التفكير العميق.

وقد وقف شوقي متأملا في هذه الظاهرة، معجبا بعنايتهم البالغة بتلك القبور؛ فقد أقاموها بحيث لا يستطيع البلى أن يمسها، وكأنهم عندما رقدوا في تلك المقابر قد تحجبوا بالهيبة تحت الثرى، كما كانوا وهم أحياء يحجبون بهيبة لا تزال أستارها. لقد عرفوا حقيقة الحياة، وأدركوا أنها سر مغلق، فأحاطوا أنفسهم بالأسرار المغلقة، وآمنوا بأن السعادة لا يمكن أن تتحقق إلا بإدراك الخلود، فعملوا على أن ينالوه؛ فكانت بيوتهم التي يعيشون فيها أكواخا تفنى كهذه الحياة الفانية، في حين أن الحياة الآخرة هي الباقية الخالدة، فبنوا لهذه الحياة قبورا كالقصور الشم يبنونها من الصخور الصلدة، فيبدو ظاهرها جميلا رائعا كجمال هذه الحياة الدنيا، ويختبئ في باطنها حياة أخرى خالدة، يعيش فيها الملوك مخلدين لا يعرف البلى سبيلا إلى أجسامهم. فوراء هذه الأسوار التي نراها أسرار مختبئة، فإذا دخلت هذه القبور رأيت كأنها فنادق تمتلئ بالزاد، رحبة لا تضيق بسكانها، يقول شوقي:

أين الفراعنة الألى استذرى بهم

عيسى، ويوسف، والكليم المصعق

1

الموردون الناس منهل حكمة

أفضى إليه الأنبياء ليستقوا

2

الرافعون إلى الضحى آباءهم

فالشمس أصلهم الوضيء المعرق

3

وكأنما بين البلى وقبورهم

عهد على أن لا مساس وموثق

4

فحجابهم تحت الثرى من هيبة

كحجابهم فوق الثرى لا يخرق

بلغوا الحقيقة من حياة علمها

حجب مكثفة، وسر مغلق

وتبينوا معنى الوجود، فلم يروا

دون الخلود سعادة تتحقق

يبنون للدنيا كما تبني لهم

خربا غراب البين فيها ينعق

5

فقصورهم كوخ وبيت بداوة

وقبورهم صرح أشم وجوسق

6

رفعوا لها من جندل وصفائح

عمدا، فكانت حائطا لا ينتق

7

تتشايع

8

الداران فيه؛ فما بدا

دنيا، وما لم يبد أخرى تصدق

للموت سر تحته، وجداره

سور على السر الخفي، وخندق

وكأن منزلهم بأعماق الثرى

بين المحلة

9

والمحلة فندق

موفورة تحت الثرى أزوادهم

10

رحب بهم بين الكهوف المطبق

ويصف شوقي في هذه القصيدة حج الناس إلى هذه القبور، وكيف يأتون إلى «طيبة»؛ عاصمة مصر القديمة، في جماعات تضيق بها المدن والقرى، ويملئون البر برواحلهم، والبحر بسفنهم، حتى إذا ألقوا عصا التسيار بمعبدها المقدس وفوا نذورهم، وتقاربوا إلى آلهتهم، وتصدقوا بما معهم ، ثم جرت الزوارق بالحجيج مسرعة من شاطئ يعج بالحياة إلى الشاطئ الآخر، وهو وادي الملوك حيث يرقد آباؤهم وأجدادهم، وحيث تغرب أرواحهم كما تغرب الشمس، وحيث يتساوى الناس عظيمهم وحقيرهم في لقاء الموت، وحيث تتناثر القبور على الرحب كأنها قطع السحاب. إنهم ينتقلون من زخرف الحياة على شاطئ طيبة، إلى شاطئ يضيء فيه سناء الحق كأنه الصبح، يعنو له الملوك، فيخلعون رداء العظمة والجلال، ويمشون على أقدامهم تكريما لهؤلاء الموتى، ويخشع الغني والفقير، ويضيق وادي الملوك بساكنيه، حتى كأنما قد بعث فيه الموتى، ويظل الأحياء مع موتاهم يتنادمون كأنهم لم يفترقوا، وشوقي يصور ذلك إذ يقول:

الآثار المصرية في الأدب العربي · الصفحة ١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الآثار المصرية في الأدب العربيص ١٨