19
وكل ركن كان يستلم كالحطيم.»
20
وقد أنشأ شوقي في هذا الهيكل قصيدة خالدة، سيظل فيها خالدا ما بقي الزمان، كما خلدت قصيدة البحتري إيوان كسرى.
وهو في مطلع قصيدته يطلب إلى رائد هذا الأثر الخالد الذي أحس به الشاعر عالي القدر، رفيع المكانة كالثريا في السماء، أن يدخل الهيكل خاشعا، خافض الطرف، يملؤه الجلال والمهابة، فيقول:
أيها المنتحي بأسوان دارا
كالثريا تريد أن تنقضا
اخلع النعل، واخفض الطرف، واخشع
لا تحاول من آية الدهر غضا
ويصف شوقي هذا الأثر الجليل، فيرى بعضه قد أمسك ببعض، كأنها قد خافت الغرق فأرادت أن يسند بعضها بعضا. إن قصور أنس الوجود يبدو بعضها ويخفى بعضها الآخر، في روعة وجمال كأنها العذارى السابحات.
إنها اليوم مشرفة على الزوال، وكانت من قبل تنهض رافعة الرأس في فخر وتيه تعلو كواكب السماء. لقد قدمت وتقادم العهد بها، ولكن الفن الذي يتجلى فيها لا يزال غضا ناضرا كأول العهد به، فرب نقش في هذا الأثر ، كأنما انتهى الصانع أمس من إتمامه، ورب طلاء لا يزال زيته مضيئا مشرقا، وخطوط دقيقة كأهداب العين وقد صنعها، وحسن طولها وعرضها، ورسم ضحايا قد أتقن صنعها إلى درجة أن الله لو نفخ فيها من الروح لصارت أحياء تمشي، ومحاريب كأنها الحصون بناها قوم لهم عزمات الجن، وحجرات كان المسك يفت في أرضها، واليواقيت تزين أرضها، فأبدلت بذلك التراب والحصى.
إن التخريب حظ هذه القصور في يومها، في حين أنها كانت بالأمس يصرف الملوك منها حظوظ الناس، فيرفعون ويضعون، حتى أصبح النحس الخالص من نصيبها.
ويختم شوقي هذا الجزء من قصيدته بصيحة إعجاب من هذه الصنعة التي تملأ العقول بالدهشة، ومن هذا الفن الذي كان فرضا على المصري أن يتقنه. واستمع إلى شوقي إذ يقول:
قف بتلك القصور في اليم غرقى
ممسكا بعضها من الذعر بعضا
كعذارى أخفين في الماء بضا
سابحات به، وأبدين بضا
21
مشرفات على الزوال، وكانت
مشرفات على الكواكب نهضا
شاب من حولها الزمان، وشابت
وشباب الفنون ما زال غضا
رب نقش كأنما نفض الصا
نع منه اليدين بالأمس نفضا
ودهان كلامع الزيت مرت
أعصر بالسراج والزيت وضا
22
وخطوط كأنها هدب ريم
23
حسنت صنعة وطولا وعرضا
وضحايا تكاد تمشي وترعى
لو أصابت من قدرة الله نبضا
ومحاريب كالبروج بنتها
عزمات من عزمة الجن أمضى
24
شيدت بعضها الفراعين زلفى
وبنى البعض أجنب يترضى
25
ومقاصير أبدلت بفتات ال
مسك تربا، وباليواقيت قضا
26
حظها اليوم هدة، وقديما
صرفت في الحظوظ رفعا وخفضا
سقت العالمين بالسعد والنح
س إلى أن تعاطت النحس محضا
27
صنعة تدهش العقول وفن
كان إتقانه على القوم فرضا
ويناجي شوقي تلك القصور الغريقة في النيل، وهي على وشك أن تتهاوى فملكه الحزن فبكى.
إنه يراها سطرا في كتاب أمجاد مصر، ويتألم كيف فض البلى ذلك الكتاب الذي كان مصونا، فكشف عن أسرار كان الفراعنة أنفسهم لا يدركونها لغموضها.
ويدعو شوقي من صميم فؤاده أن يظل لتلك القصور جلالها وعظمتها، وألا تنزل عن سماء عليائها؛ فقد حارت عقول المهندسين في بنائها، وعجز العلم عن إدراك أسرارها.
ويسألها الشاعر عما شاهدته في ماضيها من ملك عال، وحضارة مترفة، وعما رأته من مواكب لفرعون كان بعضها يتلو بعضا؛ إذ كان يمضي لفتح الممالك، أو لإشادة الحضارة في أيام السلم، وعما كان لإيزيس من ملك عريض، وتقديس وعبادة، ثم أصبحت اليوم لا حامي لها، ولا ناصر لها على ما تلاقيه من نوائب الزمان. لقد صارت أسيرة سجن في البحر لا تستطيع الخلاص. واستمع إلى تلك المناجاة إذ يقول الشاعر:
يا قصورا نظرتها وهي تفضي
28
فسكبت الدموع، والحق يقضى
أنت سطر، ومجد مصر كتاب
كيف سام البلى كتابك فضا
وأنا المحتفي بتاريخ مصر
من يصن مجد قومه صان عرضا
رب سر بجانبيك مزال
29
كان حتى على الفراعين غمضا