تلك الهياكل في الأمصار شاهدة
بأنهم أهل سبق، أهل إمعان
1
وأن فرعون في حول ومقدرة
وقوم فرعون في الإقدام كفئان
إذا أقام عليهم شاهدا حجر
في هيكل قامت الأخرى ببرهان
كأنما هي والأقوام خاشعة
أمامها صحف من عالم ثان
تستقبل العين في أثنائها صور
فصيحة الرمز دارت حول جدران
لو أنها أعطيت صوتا لكان له
صدى يروع صم الإنس والجان •••
أين الألى سجلوا في الصخر سيرتهم
وصغروا كل ذي ملك وسلطان
بادوا وبادت على آثارهم دول
وأدرجوا طي أخبار وأكفان
وخلفوا بعدهم حربا مخلدة
في الكون ما بين أحجار وأزمان
وزحزحوا عن بقايا مجدهم، وسطا
عليهم العلم، ذاك الجاهل الجاني
ويل له، هتك الأستار مقتحما
جلال أكرم آثار وأعيان
للجهل أرجح منه في جهالته
إذا هما وزنا يوما بميزان
2
ويدل الشعر على لهفة الشاعر أن يبقى للفراعنة جلالهم، وألا يستباح لهم وقار.
ويقف شوقي أمام هذه الهياكل كما وقف إسماعيل صبري معجبا بما لها من جلال وروعة، فيتساءل عن أصحاب هذه الهياكل التي ارتفع بها الباني، حتى رسا أصلها في الأرض، وارتفع ذراها إلى الثريا في السماء. لقد بدا بعضها كالحصن، وبعضها كالجبل الأشم. إنها تظهر جديدة كأول العهد بها، ومن حولها يبدو القدم على كل شيء حتى على الأرض الفضاء.
إنها هياكل ضخمة يحس الشاعر كأن الدنيا متعبة بحملها، وكأن الأرض ضيقة عن سعتها. وهي أبعد من أن تصل إليها يد الفناء، لا يدري كيف يصل إليها أو يتمكن من تحطيمها، ولم لا وهي ثابته في الأرض كأنها الطود قد نهض محلقا في السماء. وإذا كانت قد بنيت بالظلم، فإنه ظلم مشرق مضن، لم يرهق الملوك أمما بمثلها؛ لأنها فخر خالد للأمم، وذكر لا يبيد.
لقد فتن الناس بهذه الهياكل؛ يحج إليها القاصي، ويرمقها المقيمون بعين من الإكبار والتبجيل، وزادها مر العصور مهابة وجلالا، يحس بهما الزائر، ويشم فيها عبير القدم.
ولكنه يرى التماثيل على سررها متقابلة، قد لبست رداء من الذل والإهمال، قد علاها التراب، وما كان يفوح منها سوى رائحة العطر وأخلاط الطيب. لقد وطئت حجراتها المقدسة، وهتك البلى أستارها ومزقها، وأفنى الزمان حليها وزينتها، ومع ذلك حسنها باق، وشبابها دائم.
لقد كان لهذه التماثيل معان يدركها عبادها، وقد نسيت هذه المعاني، فلو بعث فرعون وعاد إلى الحياة لعجب من أن هذه التماثيل لم يعد الناس يدركون معانيها، أو يفهمون ما ترمز إليه، وفي هذا يقول شوقي:
ولمن هياكل قد علا الباني بها
بين الثريا والثرى تتنسق
3
منها المشيد كالبروج، وبعضها
كالطود مضطجع أشم منطق
4
جدد كأول عهدها، وحيالها
تتقادم الأرض الفضاء وتعتق
5
من كل ثقل كاهل الدنيا به
تعب، ووجه الأرض عنه ضيق
6
عال على باع البلى، لا يهتدي
ما يعتلي منه وما يتسلق
7
متمكن كالطود أصلا في الثرى
والفرع في حرم السماء محلق
8
هي من بناء الظلم إلا أنه
يبيض وجه الظلم منه ويشرق
لم يرهق الأمم الملوك بمثلها
فخرا لهم يبقى، وذكرا يعبق
9
فتنت بشطيك العباد، فلم يزل
قاص يحجهما، ودان يرمق
10
وتضرعت مسك الدهور،
11
كأنما
في كل ناحية بخور يحرق
وتقابلت فيها على السرر الدمى
مسترديات الذل لا تتفنق
12
عطلت وكان مكانهن من العلى «بلقيس» تقبس من حلاه، وتسرق
13
وعلا عليهن التراب، ولم يكن
يزكو بهن سوى العبير ويلبق
14
حجراتها موطوءة، وستورها
مهتوكة، بيد البلى تتخرق
15
أودى بزينتها الزمان وحليها
والحسن باق، والشباب الريق
16
لو رد فرعون الغداة لراعه
أن الغرانيق العلى لا تنطق
17
وقد خلد شوقي من بين هذه الهياكل قصر أنس الوجود، الذي قال عنه شوقي: إنه «الأثر المحتضر، الذي جمع العبر، ومحاه الدهر أو كاد، وكان إحدى آياته الكبرى هياكل لفرعون وبطليموس، توارثها عن الكهنة القسوس، وصارت للمسيح، وكانت لهوروس،
18
ثم ظهر الأذان فيها على الناقوس، ثم لا تكون عشية أو ضحاها حتى يهوي في الماء كل حجر كان يقبل كالأسود،