تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكفى الآباء رياحينا

نتخذ الشمس له تاجا

وضحاها عرشا وهاجا

وسماء السؤدد أبراجا

وكذلك كان أوالينا

العصر يراكم والأمم

والكرنك يلحظ والهرم

أبني الأوطان ألا همم

كبناء الأول يبنينا

سعيا أبدا، سعيا، سعيا

لأثيل

28

المجد وللعليا

ولنجعل مصر هي الدنيا

ولنجعل مصر هي الدينا

29

وهو نشيد عامر بالأمل والطموح إلى سيادة وإعادة أمجاد الماضي، وتشييد عظمة الوطن، وتأييد حقه، وتجميله بالسعي والعمل، ولم لا وهو يضم سر التاريخ، وفي أرضه نهضت حضارة الإنسان في قديم الزمان، وهو جنة الخلد، ونيله كوثر هذه الجنة ، وذكرى آبائنا عطرة في صفحات التاريخ؟ إنه جدير بأن يكون تاجه من الشمس، وعرشه من الضحا، وأن يرقى بنوه في سماء السؤدد كما كان آباؤهم من قبل.

ويشهد النشيد على بني الوطن العصر والناس والكرنك والهرم، لكي يكون لهم همم تبني كما كان آباؤهم يبنون. ويختم شوقي نشيده بالدعوة إلى السعي لبناء المجد، وأن تصبح مصر للمصريين دينهم ودنياهم.

وفي هذا النشيد يجعل الشاعر الماضي المجيد وسيلة لحفز الهمم لبناء مستقبل مشرق سعيد جدير بهذا الماضي.

وإذا نحن وازنا بين الآمال التي كانت تجول بالنفوس يوم أنشأ شوقي قصيدته وبين ما وصلنا إليه اليوم، رأينا المدى الشاسع الذي وصلنا إليه في تحقيق أهداف كانت تجول في النفس رغبات وآمالا.

وكما أن الأهرام لم تبرح خيال شوقي وهو مغترب بالأندلس كما ذكرنا، لم يبرح أبو الهول خياله كذلك؛ ففي قصيدته السينية الأندلسية يقول عنه:

و«رهين الرمال» أفطس إلا

أنه صنع جنة غير فطس

30

تتجلى حقيقة الناس فيه

سبع الخلق في أسارير إنسي

لعب الدهر في ثراه صبيا

والليالي كواعبا غير عنس

31

ركبت صيد المقادير عيني

ه لنقد، ومخلبيه لفرس

32

فأصابت به الممالك «كسرى»

و«هرقلا» و«العبقري الفرنسي»

33

فالشاعر في مغتربه يتخيله بأنفه الأفطس، ويضع في كلمة «جن» ما يحمله لصانعيه من معاني الإكبار والتبجيل والإعجاب؛ لأنه يستعبد أن يكون صانعوه من الإنس، ويراه ممثلا لحقيقة الناس؛ فهم يحملون وجه آدمي، وفي أعماقهم أخلاق السباع وطباعهم، ويرى القدر على قوة سلطانه قد استعار عينيه لينقد بهما الناس، واستعار مخلبيه ليبطش بهما، فأصاب كسرى وهرقل ونابليون.

وقد رأينا شوقي بعدئذ يردد فكرته في تصوير أبي الهول لحقيقة الناس في قصيدته المطولة الرائية عن أبي الهول، كما سبق أن رأينا.

| الهياكل

واسترعت معابد مصر المقامة على ضفتي الوادي أنظار بعض الشعراء، وبخاصة إسماعيل صبري وشوقي.

أما إسماعيل صبري فيرى تلك الهياكل المقامة في المدن المصرية تشهد بما للمصريين من سبق في المدنية، ومبالغة في إتقان العمل، ويرى أن مجد إقامتها وما تدل عليه من الحول والمقدرة يتقاسم الفخر فيه فرعون وقومه المصريون، والشاعر بذلك يرد الفضل إلى أصحابه، ولا يبخس الذين شادوا تلك الهياكل بسواعدهم حقهم من الثناء والتبجيل.

ويرى أن كل حجر في تلك الهياكل ينهض شاهدا على تلك العبقرية الخالدة، ويحس وهو يقف أمامها والناس خاشعون حيالها، كأنما هي صحف من غير هذا العالم الذي نعيش فيه.

ويصور صبري ما دار حول جدرانها من صور تفصح عما أراده منشئوها من المعاني. إنها صور كثيرة مفرطة في الكثرة؛ لدرجة أنها لو كانت ذوات أصوات لروعت بصوتها الصم من الإنس والجان.

ويتساءل الشاعر عن بناة هذه الهياكل الذين سجلوا سيرتهم في الصخور، وشادوا من الآثار ما يتضاءل أمامه آثار كل ملك فوق هذه الأرض. لقد بادوا أو بادت دول جاءت من بعدهم، ولكنهم خلفوا من الآثار ما هو خالد يقف في ثبات يحارب الدهر، ويقوى على مجالدة الزمان.

ويثور الشاعر على العلم الحديث الذي سطا على بناة هذه الهياكل، فجنى عليهم، وهتك أستارهم، واقتحم جلالهم، وأخرجهم من قبورهم إلى حيث يعرضون على الناس في المتاحف. وكان الأجدر بجلالهم أن يظلوا حيث كانوا، متحجبين بأستار من الوقار والجلال، ولنصغ إلى إسماعيل صبري إذ يقول:

الآثار المصرية في الأدب العربي · الصفحة ١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الآثار المصرية في الأدب العربيص ١٥