فإذا قيل: ما مفاخر مصر
قيل: منها إيزيسها الغراء
20
وينتقل الشاعر ليتحدث عن حاضر أبي الهول، ويجعله حيا يحس ويشعر بما يجري في الحياة الحاضرة من حوله، بعد أن أعاد إليه ذكريات الماضي جميعها، فيراه رمزا للوفاء، فقد أطال وقوفه عند الهرمين. وهنا يتخيله حزينا مسرفا في الحزن، كأم فقدت ولدها. ولم لا يسرف في حزنه وهو يرجو أوبة من بنى الهرمين؟ ولكن تلك العودة مستحيلة؛ فقد صاروا رمة بالية، وكيف لا يكون حزينا وهو يجوس بعينه خلال الديار، وفوق نهر النيل، يريد أن يرى في «منف» عاصمة مصر القديمة ما اعتاد أن يراه من جيش ضخم، ذي عدة وعديد يمثل عظمة مصر وقوة سلطانها، ويلتمس ما ألفه فيها من علم وفن بلغا ذروة التقدم، ونالا من المصريين أوفى عناية ورعاية؟! ولكن أبا الهول لا يلبث أن يعود كسير القلب، حزين النفس، عندما يرى هذه العاصمة المجيدة لم تعد سوى قرية ضئيلة، لا يكسبها الجمال سوى آثارها الدارسة، وقد أغرقت في سبات عميق وجمود إلى درجة أن الأرض تكاد تنساها إذا دارت. وتحس بهذا الخاطر المؤلم في قول شوقي:
أبا الهول، لو لم تكن آية
لكان وفاؤك إحدى العبر
أطلت على الهرمين الوقوف
كثاكلة لا تريم الحفر
21
ترجي لبانيهما عودة
وكيف يعود الرميم النخر
22
تجوس بعين خلال الديار
وترمي بأخرى فضاء النهر
تروم بمنفيس بيض الظبا
وسمر القنا، والخميس الدثر
23
ومهد العلوم الخطير الجلال
وعهد الفنون الجليل الخطر
فلا تستبين سوى قرية
أجد محاسنها ما اندثر
24
تكاد لإغراقها في الجمود
إذا الأرض دارت بها لم تدر
ولكن نغمة الألم هذه لا يلبث أن يتلوها روح من الرجاء والأمل، يبدد ظلمة اليأس، وينشر نورا من التفاؤل في مستقبل مشرق بالتقدم، مزدهر بنيل الآمال، فيتمنى شوقي أن لو علم الآباء أن بنيهم قد اقتدوا بسيرهم، ومضوا يطلبون المجد، ويقدمون له أغلى ما يملكون، وأنهم ركبوا الشدائد في سبيل الوصول إلى أهدافهم، ووضعوا ثقتهم في أيد أمينة ذكية بعيدة النظر، تستطيع أن تبين عنه بالحجة البالغة، وإذا لم يكن لمصر أسطول ضخم تفتخر به يومئذ، فإنها تفتخر بدستورها.
إن هذه الآمال في نظر شوقي قد ملأت الناس ابتهاجا وغبطة، واستخفهم بها السرور، حتى لم يبق من لم يستخفه الطرب غير أبي الهول. وهو لذلك يختم القصيدة طالبا إليه أن يتحرك؛ فقد تحرك كل شيء في هذا الزمان حتى الحجر الذي لا حياة فيه، وتسمع جمال هذا الرجاء في قول شوقي:
فهل من يبلغ عنا الأصول
بأن الفروع اقتدت بالسير
وأنا خطينا حسان العلا
وسقنا لها الغالي المدخر
وأنا ركبنا غمار الأمور
وأنا نزلنا إلى المؤتمر
25
بكل مبين شديد اللداد
وكل أريب بعيد النظر
26
نطالب بالحق في أمة
جرى دمها دونه وانتشر
ولم تفتخر بأساطيلها
ولكن بدستورها تفتخر
فلم يبق غيرك من لم يخف
ولم يبق غيرك من لم يطر
تحرك أبا الهول، هذا الزمان
تحرك ما فيه حتى الحجر
ويستمر شوقي في نغمة الرجاء عندما ينشئ شعرا على لسان أبي الهول، فما يكاد الشاعر يتم القصيدة حتى يجيب أبو الهول:
نجي أبي الهول، آن الأوان
ودان الزمان، ولان القدر
خبأت لقومك ما يستقون
ولا يخبأ العذب مثل الحجر
فعندي الملوك بأعيانها
وعند التوابيت منها الأثر
محا ظلمة اليأس صبح الرجاء
وهذا هو الفلق
27
المنتظر
فأبو الهول يطمئنه بأنه قد آن الأوان بأن يتحقق رجاء البلاد، وأن تتبدد ظلمة اليأس، ويعده بأنه قد خبأ له حياة عذبة مقبلة. كما تتجلى روح الفداء والأمل في مستقبل مشرق في هذا النشيد الذي يلقيه أمام أبي الهول فتى وفتاة يمثلان الجيل الناشئ، فيقولان:
اليوم نسود بوادينا
ونعيد محاسن ماضينا
ويشيد العز بأيدينا
وطن نفديه ويفدينا
وطن بالحق نؤيده
وبعين الله نشيده
ونحسنه ونزينه
بمآثرنا ومساعينا
سر التاريخ وعنصره
وسرير الدهر ومنبره
وجنان الخلد وكوثره