تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كأن الرمال على جانبيك

وبين يديك ذنوب البشر

كأنك فيها لواء القضاء

على الأرض أو ديدبان القدر

كأنك صاحب رمل يرى

خبايا الغيوب خلال السطر

ويتجه شوقي إلى الناحية التاريخية، ولما كان أبو الهول قد ولد مع الزمن، فمن الواضح أنه قد شاهد أحداث العصور من أول خلق الحياة على هذا الكون، يودع عالما قد مضى، ويستقبل عالما جديدا، فعين تستقبل وأخرى تودع، فلا غرابة إذا استنبأه الشاعر أمر الذين مضوا منذ فجر التاريخ، وفي ذلك يقول:

أبا الهول، أنت نديم الزمان

نجي الأوان سمير العصر

بسطت ذراعيك من آدم

ووليت وجهك شطر الزمر

7

تطل على عالم يستهل

وتوفي على عالم يحتضر

8

فعين إلى من بدا للوجود

وأخرى مشيعة من عبر

فحدث؛ فقد يهتدى بالحديث

وخبر، فقد يؤتسى

9

بالخبر

ويسائله الشاعر عن الدول التي قامت في هذا الوادي منذ عصر الفراعنة إلى العهد الذي أنشأ فيه شوقي قصيدته.

والشاعر يرى عصر الفراعنة عصر عزة وحضارة، ومجد وآثار جليلة، أسس فيها الفراعنة كل ما أجدى وأثمر؛ يقول الشاعر لأبي الهول:

ألم تبل فرعون في عزه

إلى الشمس معتزيا والقمر

ظليل الحضارة في الأولين

رفيع البناء جليل الأثر

يؤسس في الأرض للغابرين

ويغرس للآخرين الثمر

وإنه من الطبيعي - بعد أن رأى أبو الهول هذه الحضارة الظليلة - أن يرتاع ويفزع عندما يرى هذه الحضارة تنهار تحت سنابك خيل لجيش غاز يدمر البلاد، ويروع الساكنين:

وراعك ما راع من خيل قمبي

ز، ترمي سنابكها بالشرر

جوارف بالنار تغزو البلاد

وآونة بالقنا المشتجر

أما الإسكندر الأكبر، فقد رآه أبو الهول في أوج المجد وهو شاب ناضر الشباب، غير أنه لم يبق في الملك طويلا:

وأبصرت إسكندرا في الملا

قشيب العلا في الشباب النضر

تألق في مصر إكليله

10

فلم يعد في الملك عمر الزهر

وشر ما بليت به مصر حكم الرومان، فقد استبد قيصر وأذل الرقاب، وتجبر أعوانه، وساموا الناس الخسف والهوان حتى جاء العرب قليلين في عددهم، نبلاء في أخلاقهم، فحطموا تاج قيصر، وهزموا جموعه، وقوضوا عرشه. وهكذا أذل الدهر من كبريائه:

وشاهدت قيصر كيف استبد

وكيف أذل بمصر القصر

11

وكيف تجبر أعوانه

وساقوا الخلائق سوق الحمر

وكيف ابتلوا بقليل العديد

من الفاتحين، كريم النفر

رمى تاج قيصر رمي الزجاج

وفل الجموع، وثل السرر

12

فدع كل طاغية للزمان

فإن الزمان يقيم الصعر

13

ومر شوقي في هذه الأبيات القليلة بمعظم الدول التي رآها أبو الهول في مصر، حتى جاءت الإشارة إلى العرب الفاتحين الذين جاءوا بدين جديد، فكان ذلك مثيرا لذكرى الديانات التي رآها أبو الهول في الوادي منذ نهضت فيه عبادة «إيزيس»، إلى أن جاء عمرو ومعه القرآن وصحابة الرسول، وكل ذلك في خطوات سريعة كأنما هي لمحات من خواطر قد أمعنت في بعد سحيق؛ وذلك إذ يقول:

رأيت الديانات في نظمها

وحين وهى سلكها وانتثر

14

تشاد البيوت لها كالبروج

إذا أخذ الطرف فيها انحسر

15

تلاقى أساسا وشم الجبال

كما تتلاقى أصول الشجر

و«إيزيس» خلف مقاصيرها

تخطى الملوك إليها الستر

تضيء على صفحات السماء

وتشرق في الأرض منها الحجر

و«آبيس» في نيره العالمون

وبعض العقائد نير عسر

تساس به معضلات الأمور

ويرجى النعيم، ويخشى سقر

ولا يشعر القوم إلا به

ولو أخذته المدى ما شعر

يقل أبو المسك عبدا له

وإن صاغ أحمد فيه الدرر

16

وآنست موسى وتابوته

ونور العصا، والوصايا الغرر

وعيسى يلم رداء الحياء

ومريم تجمع ذيل الخفر

17

وعمرو يسوق بمصر الصحاب

ويزجي الكتاب، ويحدو السور

فكيف رأيت الهدى والضلال

ودنيا الملوك، وأخرى عمر

ونبذ المقوقس عهد الفجور

وأخذ المقوقس عهد الفجر

18

وتبديله ظلمات الضلال

بصبح الهداية لما سفر

19

وتأليفه القبط والمسلمين

كما ألفت بالولاء الأسر

وواضح من هذا الشعر أن شوقي يعطف على الديانات التي قامت في مصر، إذا استثنينا عبادة العجل آبيس، فهو يرى فيها نيرا عسرا، ويسخر بعبادته. على العكس من «إيزيس»، فهو يعطف على عبادة قدماء المصريين لها، وهي رمز «للقمر»؛ ولذلك يقول شوقي: إنها تضيء على صفحات السماء، فإذا عبدت في الأرض أشرقت بعبادتها مقاصير الهياكل. وقد حدثنا الشاعر في همزيته أن عبادة «إيزيس» قد انتقلت من مصر إلى غيرها من الأقطار، ومنها اليونان:

الآثار المصرية في الأدب العربي · الصفحة ١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الآثار المصرية في الأدب العربيص ١٣