تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولعل خير قصيدة أنشئت في أبي الهول هي تلك التي أنشأها فيه أحمد شوقي، وقد قسمها الشاعر فقرات، كل فقرة تدور حول معنى، فجعل الفقرة الأولى تتحدث عن طول بقاء أبي الهول، حتى جعله الشاعر قد ولد مع الدهر، وبرغم بلوغه في الأرض أقصى العمر، وما مر عليه من عصور متطاولة، لا يزال أبو الهول كما كان في أول العهد به حدثا صغير السن، ويسأله الشاعر إلى متى يظل يطوي الأصل، ويجوب الأسحار، ويتنقل عبر القرون مسافرا، حتى كأن بينه وبين الجبال عهد أن يظلا مقيمين إلى أن يزولا يوم القيامة، وذلك إذ يقول:

أبا الهول، طال عليك العصر

وبلغت في الأرض أقصى العمر

فيا لدة الدهر،

1

لا الدهر شب

ولا أنت جاوزت حد الصغر

إلام ركوبك متن الرمال

لطي الأصيل وجوب السحر؟

تسافر منتقلا في القرون

فأيان تلقي غبار السفر؟

أبينك عهد وبين الجبال

تزولان في الموعد المنتظر؟

وفي الفقرة الثانية يسأل أبا الهول عن طول بقائه، وهل جنى منه غير ضجر ثقيل على النفوس، وهنا يعجب الشاعر للقمان بن عاديا، الذي عمر عمر سبعة أنسر، كان آخرها يدعى لبدا. وكان لقمان حريصا على هذه النسور؛ لأن عمره مرهون بأعمارها. ويزعمون أنه عاش ثلاثة آلاف وخمسمائة سنة، فعجب الشاعر من طول هذا البقاء، وحرص لقمان عليه، كما عجب من لبيد الذي عاش - كما روي - مائة وأربعين سنة، فسئم من طول الحياة وقال:

ولقد سئمت من الحياة وطولها

وسؤال هذا الناس: كيف لبيد؟

ويتعمق شوقي في النفس الإنسانية فيراها مغرمة بطول البقاء، كما رأى المتنبي ذلك من قبله إذ يقول:

وإذا الشيخ قال: أف، فما مل

حياة، وإنما الضعف ملا

فيقرر شوقي أن لبيدا لو كان قصير العمر لشكا قصر حياته، وود أن لو طال عمره، وكيف بالخلود مع الحياة التي تفل الحديد وتبلي الحجر إذا دبت فيهما الحياة، فيقول شوقي:

أبا الهول، ماذا وراء البقاء

إذا ما تطاول، غير الضجر؟!

عجبت للقمان في حرصه

على لبد والنسور الأخر

وشكوى لبيد لطول الحياة

ولو لم تطل لتشكى القصر

ولو وجدت فيك يا ابن الصفاة

2

لحقت بصانعك المقتدر

3

فإن الحياة تفل الحديد

إذا لبسته، وتبلي الحجر

ويسائله في الفقرة الثالثة عن السر الذي يرمز إليه إقامته وإنشاؤه، فقد تحير الناس في أمره عندما رأوا رأس إنسان على جسم أسد، وكلما ظنوا أنهم اقتربوا من إدراك السر، عادوا فرأوا السر بعيدا عن الإدراك. ليت شعري هل يرى شوقي أن أبا الهول رمز للإنسان، فإنه برغم ما يحمله من العقل يضم بين جنبيه نفس سبع مفترس. ولننصت إليه إذ يقول:

أبا الهول، ما أنت في المعضلات

لقد ضلت السبل فيك الفكر

تحيرت البدو: ماذا تكون

وضلت بوادي الظنون الحضر

فكنت لهم صورة العنفوان

وكنت مثال الحجا والبصر

4

وسرك في حجبه كلما

أطلت عليه الظنون استتر

وما راعهم غير رأس الرجال

على هيكل من ذوات الظفر

ولو صوروا من نواحي الطباع

توالوا عليك سباع الصور

فيا رب وجه كصافي النمير

5

تشابه حامله والنمر

ويعود الشاعر مرة أخرى للسؤال عن طول عمر أبي الهول، وما كان أجدره أن يجعل هذه المقطوعة قبل المقطوعة السابقة التي تساءل فيها عن سر أبي الهول؛ لتكون المقطوعات التي تحدث فيها عن طول عمر أبي الهول متعاقبة متصلا بعضها ببعض.

وهو في المقطوعة الجديدة يثبت بعض ما أصاب الدهر به أبا الهول عندما امتدت يد الأيام إلى عينيه فأتلفتهما، فصار أعمى لا يبرح مكانه كأبي العلاء المعري الذي سمى نفسه: رهين المحبسين، وفي ذلك يقول شوقي:

أبا الهول، ويحك، لا يستقل

مع الدهر شيء، ولا يحتقر

تهزأت دهرا بديك الصباح

6

فنقر عينيك فيما نقر

أسال البياض، وسل السواد

وأوغل منقاره في الحفر

فعدت كأنك ذو المحبسين

قطيع القيام، سليب البصر

ويقلب الشاعر عينيه فيما حول أبي الهول من رمال، فيتخيل لكثرتها أنها ذنوب الناس تكدست من حوله، ويتخيله بينها كأنما هو رقيب يدبر أمر الأرض، أو كأنه ضارب رمل يرى في الرمل ما يكنه الغيب لهذا الوجود؛ إذ يقول:

الآثار المصرية في الأدب العربي · الصفحة ١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الآثار المصرية في الأدب العربيص ١٢