تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صفر الوجوه ناديا جباههم

كالكلأ

77

اليابس يعلوه الندى

محنية ظهورهم، خرس الخطى

كالنمل دب مستكينا مخلدا

78

مجتمعين أبحرا، منفرعي

ن أنهرا، منحدرين صعدا

أكل هذي الأنفس الهلكى غدا

تبني لفان جدثا

79

مخلدا

فخليل لم يلحظ في الأهرام جلالها ، ولا جبروت عقل من أنشأها، ولا ما فيها من روعة الفن وعظمة البناء، وإنما لحظ جانب ما صحب بناءها من عسف وظلم، وكان ذلك وحده كافيا لانصرافه عنها، وتنديده بمن بناها. وهو من أجل ذلك يسأل هؤلاء الموتى: هل أفادتهم هذه الأهرام شيئا؟ لقد عرفت القبور التي تحصنوا فيها، وأصبح سوقة الناس يدوسون هام الملوك، وأجسادهم في المتاحف معروضة يراها كل من يريد أن يرى. أما العدو فطاغ مستبد يحكم البلاد كما يشاء.

80

ونحن اليوم نحاسبهم على ما فعلوا، فلم يغنهم ما رفعوه من شاهق البناء، وكان يغنيهم عن ذلك السير بالهدى وجميل الذكر، كما قال:

يأيها الموتى، ألم يسمعكم

صوت المنادي صادعا مرددا

81

قوموا انظروا السوقة فيما حولكم

تدوس هامات الملوك همدا

82

قوموا انظروا العدو في دياركم

يحكم فيها مستبدا أيدا

83

قوموا انظروا أجسادكم معروضة

في مشهد لمن يروم المشهدا

بعث به يسألكم حساب ما

قدمتم من راح منا واغتدى

لم يغنكم منه البناء عاليا

والأرض نهبا، والملوك أعبدا

84

وكان يغنيكم جميل الذكر لو

خفضتم اللحد، وشدتم بالهدى

أخطأ من توهم القبر له

حرزا يقيه بالردى من الردى

85

ولكن النظرة العادلة تدل على أن مطرانا كان في تلك النظرة ظالما غير منصف؛ فإنه على فرض أن هذه الأهرام أنشئت بالظلم، فإنه ليس من العدل أن تمحى لهؤلاء الملوك كل حسنة من أجل هذه السيئة. على أنه من المستبعد أن يكون الظلم هو الذي بناها مع ما عرف عن مصر في القديم من قضاء عادل، وما شهد به حكماؤها من العقل والذكاء، وما كان لملوكها من اعتزاز ببني وطنهم.

ومن الظلم، كما فعل مطران، أن تنسى هذه الحضارة التي أشرقت في هذا الوجود، وكان لها من الآثار ما لا يمكن أن ينساه التاريخ.

ولم يشارك خليلا في هذا الإحساس أحد من الشعراء، بل كان الاتجاه العام عندهم هو الفخر بتلك الأهرام وبناتها، حتى هؤلاء الذين ينحدرون من أصل عربي؛ كالشيخ محمد عبد المطلب، الذي يرى في ولادته بمصر سببا كافيا للاعتزاز بتاريخها وبناة أهرامها، فيقول:

رويدك، إنا في العلا يوم ننتمي

كلانا أبوه النيل، أو أمه مصر

لنا آية الأهرام يتلو قديمها

حديث الليالي، فهي في فمها ذكر

ملأنا بها لوح الوجود مناقبا

إذا ما خلا عصر تلاها به عصر

وللعلم من آثارنا في جبالنا

على الدهر آيات بها ينطق الصخر

إذا جهلوا «مينا» و«خوفو» و«خفرعا»

فليس «برمسيس» على ملكه نكر

لنا كل ما في الأرض من مدنية

بها تعمر الأمصار والبلد القفر

لنا في الورى حق المعلم لو رعوا

لنا ذمة، والدهر شيمته الغدر

86

وهكذا إذا استثنينا مطرانا رأينا الإعجاب بالأهرام وبناتها متوارثا على مر العصور، ورآها الشعراء المحدثون حافزا لهمم المصريين، ودافعا لهم إلى المجد والعلا، ومبعثا للفخر بها؛ لأنها أثر جليل من آثار الآباء والأجداد.

ولا تزال هذه النظرة باقية عند شعرائنا الأحياء فيما أنشئوه من شعر حول الأهرام، وما يحفظه تلاميذنا في مدارسهم من المحفوظات.

| أبو الهول

قد رأينا الشعراء فيما عرضناه من الشعر يعدونه من العجائب، ورأينا بعضهم يتخيله كأنه رقيب على حبيبين يركبان هودجين. وهو خيال مجدب لا يحرك النفس، ولا يثير وجدانها؛ لأن هذا الجسد الضخم لأسد رأسه رأس إنسان أكبر من أن يقف عند حد رقيب على عاشقين. فهو خيال مصنوع دفع إليه الشبه البصري بين الهودج والهرم، والذي يركب في الهودج إنما هي المرأة، فلتكن عاشقة، وليكن أبو الهول رقيبا على العاشقين.

وتخيله البارودي كأنه مشتاق إلى مطلع الفجر. وإذا كان الشاعر يرمز بذلك إلى مطلع فجر المجد للوطن كان الإحساس عميقا.

الآثار المصرية في الأدب العربي · الصفحة ١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الآثار المصرية في الأدب العربيص ١١