... ثم يدعون أن هذا مذهب السف، وحاشا لله من ذلك، وإنما مذهب السلف ما قررناه أولاً من تفويض المراد بها إلى الله والسكوت عن فهمها... ثم طردوا ذلك المحمل الذي ابتدعوه في ظواهر الوجه والعينين واليدين والنزول والكلام بالحرف والصوت يجعلون لها مدلولات أعم(1) من الجسمانية وينزهونه عن مدلول الجسماني منها، وهذا شيء لا يعرف في اللغة، وقد درج على ذلك الأول والآخر منهم، ونافرهم أهل السنة من المتكلمين الأشعرية والحنفية ورفضوا عقائدهم في ذلك)
(1) وهذا الذي ذكره العلامة ابن خلدون هو ما عنيناه بقولنا إن صفات المعاني لها مدلولات واسعة أعم من الجسمانيات لذا لم يضطر العلماء معها إلى صرفها عن مدلولها الظاهر، فهي لها مدلول خاص إذا أضيفت إلى الله تعالى ومدلول آخر إذا أضيفت إلى المخلوق، أما ألفاظ المتشابه فمدلولها الظاهر ضيق لا يفهم منه إلا الجسمانيات، ولهذا اضطر العلماء معها إلى الصرف عن هذا الظاهر فإما التفويض وإما التأويل وهذا بعينه ما أراده العلامة ابن خلدون في هذه العبارة فإنه لا يعقل ـ مثلاً ـ أن يقولوا لا نثبت لله تعالى جارحة ثم يحملون هذه الألفاظ على الظاهر فإنه لا ظاهر هنا إلا الجارحة والجسمانيات.