قال القرطبي[108]:" رفع الله حكم التبني ومنع من إطلاق لفظه ، وأرشد بقوله إلى أن الأولى والأعدل أن ينسب الرجل إلى أبيه نسبا ، فيقال : : كان الرجل في الجاهلية إذا أعجبه من الرجل جلده وظرفه ضمه إلى نفسه ، وجعل له نصيب الذكر من أولاده من ميراثه ، وكان ينسب إليه فيقال : فلان بن فلان ، وقال النحاس : هذه الآية ناسخة لما كانوا عليه من التبني ، وهو من نسخ السنة بالقرآن ، فأمر أن يدعوا من دعوا إلى أبيه المعروف ، فإن لم يكن له أب معروف نسبوه إلى ولائه ، فإن لم يكن له ولاء معروف قالوا له :" يا أخي " يعني في الدين قال الله تعالى : ] إنما المؤمنون إخوة[[109]
المطلب الأول
إذا ادعى نسب اللقيط شخص واحد
أولاً : إذا ادعى نسب اللقيط شخص واحد ينفرد بدعواه ، فإن كان المدعي رجلاً مسلماً حراً لحق به نسبه عند عامة الفقهاء ، قال ابن قدامة :" بغير خلاف بين أهل العلم إذا أمكن أن يكون منه " [110] .
واختلف الفقهاء في اشتراط البينة لقبول هذا الادعاء على مذهبين :
المذهب الأول : لا يشترط البينة .
وهو مذهب الشافعية والحنابلة ومقتضى الاستحسان عند الحنفية واختيار أشهب من المالكية حيث قال : يلحق بمجرد الدعوى لعدم المنازع [111] ، ودليلهم :
1-أن الإقرار محض نفع للطفل لاتصال نسبه ولا مضرة على غيره فقبل كما لو أقر له بمال .
2-أن المدعي يخبر بأمر محتمل الثبوت ، وكل من أخبر عن أمر والمخبر به محتمل الثبوت يجب تصديقه تحسينا للظن بالمخبر ، إلا إذا كان في تصديقه ضرر بالغير .
3-أن في إثبات النسب نظرا من جانبين ، من جانب اللقيط بشرف النسب والتربية والصيانة عن أسباب الهلاك وغير ذلك ، وجانب المدعي بولد يستعين به على مصالحه الدينية والدنيوية ، وتصديق المدعي في دعوى ما ينتفع به ولا يتضرر به غيره بل ينتفع به لا يقف على البينة .
4- أن في إقامة البينة على النسب مما يعسر ، ولو لم نثبته بالاستلحاق لضاع كثير من الأنساب .