
وفي الجملة يؤثرون المكروه ويلقون بأنفسهم إلى التهلكة تصلفا وتفاخرا على أقرانهم ومباهاة بأفعالهم لا عن روية صائبة وطمأنينة نفس، وكل ذلك من الشهوات الفاحشة بينها وبين الشجاعة بون سحيق وفرق غير دقيق وينبغي أن لا يتوهم أن من لا يبالي من فضيحة ذهاب الشرف أو الآفات الهائلة من الزلازل الشديدة والصواعق المتواترة والأمراض المزمنة والمؤلمة وفقد الأصحاب والأحباب أو من خطر البحار فهو ليس في شيء صحيح من الشجاعة، بل هو أقرب إلى الجنون والوقاحة من الشجاعة، وكذا من ألقى [36] نفسه في الخطر بدون الضرورة مثل الغوص في البحر مع جهله بالسباحة، أو الوقوف تحت الحائط المائل والصعود على الجبل الهائل أو يتعرض لأوابد الجمل الصائل، فهو إلى نسبة التصلف والحماقة أولى من النسبة إلى الشجاعة، وكذا من يخنق نفسه أو يقتله بالسيف أو بالسم أو يلقيه في البحر أو يرديه في البئر لأمر شنيع أو للفقر فهو إلى نسبة الخوف أحق من الشجاعة.
وأما رداءة الكيفية في العفة فكمن ترك اللذة الشهوية ويقصد اعتياضا أكثر منها في الآخرة أو الحياة الدنيا كما ترى من المتعففين يعتزلون الناس بالكلية ويعرضون عما يحفظ بقاء الشخص والنوع من متاع الدنيا وحطامها لا للتوجه إلى جناب القدس وحضرة الجبروت، ولا لابتغاء مرضاة الرب، بل طلبا لمثله في الآخرة، فهم في الحقيقة أحرص الناس وأطمعهم حملهم أشبعيتهم إلى الرهبانية مع أنه لا رهبانية في الإسلام، وكذا من تزهد فيه لخمود شهوته وجمود قوته عدم الشعور بلذته أو يختار