
والحق أن الأخلاق مع كثرتها ترجع إلى ثلاث قوى: هي أمهات الأخلاق، أعني: الحكمة، والعفة، والشجاعة، لكنها إن كانت في طرفي الإفراط والتفريط تكون رذائل، وإنما تحمد آثارها، إذا كانت في حد الاعتدال، وإنما تكون في حد الاعتدال إن قاده العقل والشرع.
ثم إن الشرع إنما ورد بتغيير الرذائل إلى الاعتدال، لا استئصال أصولها بالكلية ، أي: الشرع لم يرد باستئصال القوى المذكورة بالكلية، وبذا يندفع التدافع المذكور، واتفاق العقلاء على إمكان الأخلاق، ولهذا ينصبون المؤدبين للصبيان، وينسبون المقصرين في تأديبهم إلى التقصير، ويرمونهم بالتشييع والتعيير، وليس هذا إلا من إمكان التغيير.
واعلم أن المخالفين في هذا الأمر طوائف:
فمنهم من ذهب إلى العكس.
ومنهم من قال: البعض على الخير، والبعض على الشر والبعض قابلة لهما، وتزييف الأولين: أنها إذا استفادت خلاف ما فيها، فإما من نفسها، فيكون متصفا بضد ما فيها، أو من غيرها فهناك من يتصف بضدها.
وتزييف مذهب الأخير: أن كل ما يقبل التغيير، فليس بطبيعي البتة، وقد ثبت إمكان التغيير بوجوه ثلاثة، وإنما الشرير أو الخير من كان واحد منهما مقتضى مزاجه الخاص، وتختلف الاستعدادات، أي: استعدادات النفس الناطقة فيه، أي: في التغيير بحسب الأمزجة، أي: بحسب اختلاف أمزجة الأبدان المتعلقة هي بها، إذ الأخلاق إنما تحصل للنفس بواسطة القوى، قوى البدنية التابعة لمزاجه الخاص، كالشهوة، والغضب، بل القوة