
ويقال له : الحكمة المدنية، وهي: النظر في القوانين الكلية المقتضية لمصلحة الجمهور من جهة التعاون وموضوعه الهيئات الاجتماعية والاجتماعات مختلفة مندرجة بعضها تحت بعض فالأول اجتماع المنزل، ثم المحلة، ثم المدينة، ثم الأمة، ثم العالم، وكل اجتماع رئيس إلى رئيس الرؤساء، أعني رئيس العالم - أعني أن الحاجة إلى التعاون أوجبت التمدن اشتقاقا من المدينة التي هي الاجتماع، وذلك؛ لأن كل واحد منا لو تكفل بنفسه ما يحتاج إليه من الحرف والصناعات لما تيسر له وكيف يمكن، وقد قيل: إن كل لقمة تحتاج إلى عمل ألف صانع فلا يتنظم أمرهم، ولا ينضبط معاشهم إذا تعاوضوا بينهم بتلك الأمور، فكان مبنى تعيشهم ومدار حياتهم وتكملهم على التعاون والتعامل، وهذا ما يقال للإنسان مدني بالطبع، ولذلك اقتضت حكمة الله - تعالى - اختلاف الطبائع، وتباين الآراء والعزائم؛ ليميل كل واحد إلى صنعة وشأن يخالف صنعة الآخر وشأنه وفرح كل حزب بما لديه ورضي بما عنده شريفا أو دنيا لمناسبة طينته له، وذلك رحمة من الله - تعالى - ومنة [97] منه على عباده إذ لو تساووا لقصد الكل أمرا واحدا فيفوت مصلحة التعاون وعاد المحذور وكذا إذا تساووا في الفقر والغنى إذ يفوت التعاون أيضا، قال الله - تعالى : (ولؤ بسط الله الرزق لعبادو لبغوا في الأرض)، وكذا في البلادة والذكاء قال الله - تعالى : (ولو شئنا