
المعلم بإلقاء نطفة من طريق السمع إلى رحم قلبك المسمى بالعقل الهيولاني يصير سببا لولادة طفل العقل بالملكة، كما قال عيسى - صلوات الله عليه - لن يلج ملكوت السماوات من لم يولد مرتين.
ثم يرضعه بلبن المعارف الحقيقية الحقة والحكمة البالغة المحضة ويربه بأغية المعاني الحقيقية وأشربة الحقائق اليقينية إلى أن بلغ أوان حلم العقل بالفعل وهكذا حتى يبلغ أشده الذي هو العقل المستفاد ويصل إلى الأصل فيأمن من خوف الفناء والنفاد وبقدر فضيلة الروح على البدن، ومزية العلم على البين وزيادة عذوبة لذة الأغذية الروحانية على الأطعمة الحيوانية [93] ورجحان البقاء العقلي الدائم على الحسي الزائل يجب ترجيح طاعة المعلم على رعاية الأب، فليعبد عبادة لا يطيعها لأحد من المخلوقات، وإلا لم يقدر أن يعبد الله تعالى حق عبادته؛ لأن عبادته تعالى موقوفة على معرفته ومعرفته مستفادة من المعلم فمن لم يعبده لم يعرف الله، وإذا لم يعرف الله لم يمكنه أن يعبده، فهو خليفة الموجد الحق، ونائب الرب المطلق.
ثم إن عبودية العلم بتولي خمسة أشياء: أن يبذل نفسه وماله ليتصرف فيهما كيف يشاء، ويقدم خدمته على ضروريات نفسه، ويواظب على شكره عالما بقصور عن مكافأته لينجذب خاطره إليه، ويتحمل أذاه وأذى الغير لأجله بحسن التلقي والقبول، وترك الاعتراض على قوله وفعله وإياه ثم إياه بإزائه بوجه ما، فإنه يؤدي إلى خسار الدنيا والآخرة ليتوطن الناس به وعدوله عن الحق الواجب، فيقع في معرض سخط الله - تعالى - نعوذ بالله منه -، وكذا حكم من يجري مجرى المعلم ويتعلق به من أولاده وأحبائه