تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لو توكأت عليه لانهدم

بشار (وكان ضخم الجثة!)

كلفتمونا حدود منطقكم

والشعر يغني عن صدقه كذبه

البحتري

يعلم دارسو الجماليات أن للفن صدقه، وأن الفن يوصف بالصدق والكذب، وأن الصنف الرفيع من الفن صادق بالضرورة، ولكن «الصدق الفني» غير الصدق الوقائعي

factual ، ومن يخلط بينهما يقع في «خطأ مقولي» ثقيل، ثمة «حقيقة» يعبر عنها العمل الفني، غير أنها ليست من صنف الحقيقة التي نجدها في العلم أو الفلسفة، وإذا لم يتم التخلص من الخلط بين الحقيقة الفنية والحقيقة العلمية «ضاع الوضوح وأصبح الحديث أو النقاش عقيما لأن المتحدثين، ببساطة، لا يتحدثون عن شيء واحد.»

9

قد يخطئ الشاعر خطأ علميا جسيما وتبقى قصيدته مثالا للصدق الفني.

الصدق صفة للقضايا، فتوصف القضية بالصدق إذا كان ما تقرره مطابقا للوقائع التي يفترض أنها تصفها، وتوصف بالكذب إذا كان غير مطابق، بيد أن هناك قطاعات عريضة من التعبير البشري لا تتحدث عن وقائع موضوعية، وبالتالي لا تحتمل الصدق والكذب بالمعنى الدارج، تلك هي الأحكام التقويمية وعبارات الأمر والتمني وغيرها من الصيغ التي تضمر مشاعر ووجدانات ذاتية تند بطبعها عن التحقق الموضوعي، ومنها بيت بشار السابق الذي يصف نفسه فيه بالنحافة والضعف بينما كان هائل الجرم كأنه جاموس،

10

إنه تقرير عن مواجيد نفسية وليس تقريرا طبيا يتضمن بنودا عن الوزن والضغط والنبض وسرعة الترسيب ... إنه رقعة فنية، تستعصي بطبعها على التحقق الموضوعي، غير أن هذا لا يحرمها من أن تتمتع بصدق من صنف آخر، وحقيقة من نوع مختلف.

تلك هي «الحقيقة الفنية» في مقابل «الحقيقة الواقعية»، وهي حقيقة تتحد بمدى جودة التعبير وتوفيقه في نقل التجارب التي انبرى لنقلها ومعادلة المشاعر التي اضطلع بمعادلتها، وقديما قال أرسطو: «إذا أسهمت الكذبة في التأثير الجمالي للعمل فينبغي أن نقبلها.»

نعم ... حين يكون الأمر أمر تجارب وجدانية ومشاعر ذاتية يخف وزن الجزئيات الموضوعية بعض الشيء ويتضاءل شأنها، وهل كان لغلطة كيتس الواقعية خطر يذكر على سونيتته «عند القراءة الأولى لترجمة تشابمان لهوميروس» التي يقول فيها:

عندها شعرت بأني أشبه بكورتيز الفتي،

وهو يحدق إلى المحيط الهادي بعيون النسر بينما كل رجاله

يتطلع بعضهم إلى بعض في دهشة بالغة،

وهو واقف في صمت فوق قمة جبل دارين.

كورتيز مكتشف المحيط الهادي! خطأ جسيم إذا كان المقام مقام تاريخ بحري، ولكن سيان ان يكون المكتشف هو كورتيز أو غيره داخل هذا «التكوين الفني» أو هذه «البنية الرمزية» المستقلة التي تتحدد مهمتها في نقل أو معادلة شعور كيتس لحظة بهرته قراءة هومر بترجمة تشابمان الإليزابيثي للمرة الأولى، فسونتة كيتس - وهي من عيون الشعر الإنجليزي - لم تكتب لتلقي علينا درسا في التاريخ أو الجغرافيا، ولكن كتبت لتنقل لنا شعورا بمتعة التذوق ودهشة الفن.

هي «حقيقة ل»

truth-to

11

أكثر مما هي «حقيقة عن»

truth-about .

وهي «فعل»

action

12

أكثر منها «مقالا عن فعل».

وهي صادقة إذا ما احترمنا انطواءها واكتفاءها الذاتي واستقلالها الجمالي، واتخذنا، ولو إلى حين، إطارها الإشاري الخاص، ثم لجأنا بها إلى معيار «التطابق»

correspondence ،

13

مع الواقع النفسي لا الواقع العيني، وطبقناه فانطبق.

14 (4) مغالطة التركيب والتقسيم خطأ مقولي نموذجي

في حديثنا عن مغالطة التركيب

composition

والتقسيم

division

قلنا إن الانتقال من خصائص الكل إلى خصائص أجزائه المكونة (تقسيم

division )، أو الانتقال - على العكس - من خصائص المكونات إلى خصائص الكل (تركيب

composition ) هو انتقال غير مشروع؛ وذلك لأن الكل ينتمي إلى نمط منطقي (أو مقولة) أعلى من النمط الذي تنتمي إليه أجزاؤه، إن خصائص الكل وخصائص الجزء ليست دائما بالشيء الواحد، ولا ينبغي أن نتوقع تطابقها في جميع الأحوال.

المغالطات المنطقية: فصول في المنطق غير الصوري · الصفحة ٩٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المغالطات المنطقية: فصول في المنطق غير الصوريص ٩٨