expectancy effect
أو «الأثر المجرب»
experimenter effects .
يروي روزنثال قصة مثيرة عن تجربة بحثية أجراها تلاميذه على فئران متاهة، فقد أنبأ تلاميذه أنه قد طور سلالة من الفئران حادة الذكاء يمكنها أن تجتاز المتاهة بسرعة، ثم دفع لهم بفئران عادية تماما على نحو عشوائي، قائلا لنصف التلاميذ إن لديهم الفئران «الذكية»، وللنصف الآخر أن لديهم الفئران «الغبية».
كانت النتيجة أن الفئران المزعوم ذكاؤها كانت تتحسن يوما بعد يوم في اجتياز المتاهة، فكانت تجري بشكل أكثر سرعة ودقة، كانت الفئران «الغبية» تحرن عن نقطة البداية 29٪ من الوقت، بينما كانت الفئران «الذكية» تحرن 11٪ من الوقت فقط!
ربما كان التلاميذ يتعجلون ضغط زر المؤقت بعض الشيء في حالة الفئران «الذكية».
وربما كانوا يتناولون فئران كل من الفئتين قبيل الجري تناولا مختلفا.
وربما كانت الفئران تتأثر بطريقة ما بتوقعات المجربين.
وربما كان التلاميذ يقدمون لأستاذهم البيانات التي يرون أن أستاذهم كان يتوقعها.
غير أن «تأثر التوقع» قد وقع! وقد سجل روزنثال تأثيرات للتوقع في عديد من المواقف والسياقات: يتأثر المستخدم بتوقعات مستخدمه ويقدم له ما يتوقعه من أداء، وكذلك يفعل التلميذ تجاه مدرسه، والمريض تجاه طبيبه، ثمة تواصل غير لفظي: نغمة الصوت، حركات الجسم، تعبيرات الوجه، يجعل توقعات الطرف الأول تصل إلى الطرف الآخر عفويا وتلقائيا وضمنيا، ويحفز الطرف الثاني على أن يلبي هذه التوقعات ويكون على مستواها.
يستخدم الوجه الإيجابي لظاهرة «النبوءة المحققة لذاتها» في التعامل مع الأمراض النفسية المزمنة مثل اضطراب القلق أو الألم المزمن، وتشير الدراسات المعرفية السلوكية إلى أن إدراك مسار مرض ما وإدراك مآله يمكن أن يؤثر في خبرة المرض، يركز العلاج المعرفي السلوكي على تعلم تغيير الإدراك من أجل تخفيف الألم المزمن أو تقليل أحداث مثل نوبات الهلع، بهذه الطريقة أدى فهمنا للنبوءة المحققة لذاتها إلى نجاح أكبر في علاج الأمراض العصية. (8) العربية عاجزة عن نقل العلوم ... نبوءة محققة لذاتها!
نحن نهملها فتذبل، ونستصعبها فتصعب.
حين نتنبأ بأن العربية عاجزة عن نقل العلوم فإننا نتردد ونتلكأ في التعريب، ويطول هجرنا وإهمالنا للعربية فتجف وتضمر، وتهزل وتذبل، وتعجز عن العطاء لأنها حرمت من الأخذ! ومن ثم يرفع نذر الشؤم عقيرتهم ويعلنون عجزها وقد جعله تنبؤنا حقا!
يقول الأستاذ ساطع الحصري (رائد القومية العربية): «لا شك أنها إن أمست اليوم عاجزة وفقيرة، بعد أن كانت بالأمس غنية وقديرة، فما ذلك إلا لأن المتكلمين بها قد انقطعوا عن مزاولة العلوم منذ قرون، ولأنهم حبسوا أذهانهم في دائرة ضيقة من الأدبيات والشرعيات، منصرفين إليها عن كل ما سواها، وكأني باللغة العربية قد ظلت داخل هذه الشرنقة المعنوية جامدة خامدة، لا تتحول ولا تتكيف، ولا تنمو ولا تتطور.»
2
ويقول أ. حسام الخطيب: «إن اللغة العربية غير مخدومة لغويا وعلميا وتربويا وإعلاميا، وإنها تحتاج إلى جهود علمية-عملية حتى تنتقل من عبء نفسي عند مستخدميها إلى بهجة ويسر ودافع إيجابي.»
3
ويقول الأستاذ إبراهيم اليازجي: «اللغة بأهلها، تشب بشبابهم وتهرم بهرمهم، وإنما هي عبارة عما يتداولونه بينهم، لا تعدو ألسنتهم ما في خواطرهم، ولا تمثل ألسنتهم إلا صور ما في أذهانهم ... ولذلك فإن كان ثمة هرم فإنما هو في الأمة لا في اللغة؛ لأن ما عرض لها من الهجر والإهمال غير لاحق بها ولا ملحق بها وهنا وعجزا، وإنما هو عجز في ألسنة الأمة ومداركها وتأخر في أحوالها واستعدادها.»
4
اللغة، جوهريا، استعمال، منشأ اللغة الاستعمال، واستواء اللغة بالاستعمال، وتطور اللغة في الاستعمال، تموت اللغة حين تهجر اللسان، نحن لا نستعمل العربية، وبمنطق «النبوءة المحققة لذاتها» فإننا نهملها فتذبل، ونستصعبها فتصعب، ونجفوها فتشحب وتنسحب، ولا يزال الناعي الكاذب ينعب حتى يصدق نعيه!