ويقول بوبر في كتابه
Unended Quest : «كنت أعتقد يوما أن الأثر الأوديبي يميز العلوم الاجتماعية عن العلوم الطبيعية، ولكن في البيولوجيا أيضا، وحتى في البيولوجيا الجزيئية، كثيرا ما تلعب التوقعات دورا في إحداث ما كان متوقعا.»
للدكتور رسل فيرنالد
R. D. Fernald ، عالم الأعصاب في ستانفورد، أبحاث كثيرة مثيرة عن تأثير التغيرات الاجتماعية على خلايا المخ (مثال ساطع على «العلية الهابطة»
downward causality )، من ذلك أبحاثه الشهيرة على سمك البلطي الأفريقي التي أيدت الرأي القائل بأن كيفية التفاعل الاجتماعي لذكر السمك تغير خلايا دماغه المسئولة عن حجمه ولونه وقدرته على التكاثر، فقد وجد أن الذكر العدواني المسيطر على منطقة نفوذ كبيرة تكون الخلايا الدماغية في مهاده التحتي
hypothalamus
أضخم ستة أضعاف من خلايا الذكور الألطف طبعا، وقد وجد فضلا عن ذلك أن أبعاد هذه الخلايا ذات «طواعية»
plasticity
ومرونة: فإذا ما صادف الذكر المسيطر ذكرا آخر أكبر منه وأشد عدوانية فإن نيورونات (خلايا عصبية) المهاد التحتي للذكر المهزوم سرعان ما تنكمش، وكذلك تنكمش خصيه وتقل قدرته على الإنجاب، ومن الممكن إحداث هذه التغيرات في المختبر بدفع الذكر الفرد بيئيا إلى اتخاذ الدور المسيطر أو الخاضع، فتتبع ذلك مباشرة تغيرات خلايا الدماغ، لقد تم التحقق بدقة من أن التغيرات السلوكية تحدث أولا وتفضي إلى التغيرات الدماغية. (لمعرفة المزيد عن التأثيرات السلوكية على الدماغ انظر بحث د. رسل د. فيرنالد بالاشتراك مع س. أ. هوايت:
Behavioral influences on the brain.
Progress in Hormone Research, 52: 455-474 .) (6) في الدراسات السلوكية للفعل الإنساني «في مجال دراسة النفس البشرية كثيرا ما يتعذر التحقق من الفروض بالطريقة العلمية المعيارية من خلال تكرار المواقف، وضبط التفاعلات بين الأحداث واستجابات الأشخاص موضوع الدراسة، وفي العلوم الإنسانية بعامة فإن تكرار موقف تاريخي فردي أو جماعي هو أمر مستحيل في الأساس، ورغم ظهور ما يبدو أنه تكرار، فإنه في كل حالة نتاج جهد خادع وهمي لتجريد الذات من التاريخ، وهي طريقة أساسية تستخدم لاختزال المسئولية الفردية وما يصاحبها من قلق، وفي محاولة ضبط المتغيرات، فإن النموذج العلمي المعاصر يعزو دورا سلبيا ضمنيا للأشخاص، ففي مثل هذه التجارب يعرض الشخص لمنبه، ويخضع لظروف مضبوطة معينة، ويعامل على أنه شيء من الأشياء! وتدرس الاستجابة المجزأة المضبوطة بعناية بدلا من أن يدرس الفعل الإنساني، ومن ثم فإن السلوك يخطط له بصورة يصعب فيها التعرف عليه، ومن الواضح أن ذلك نوع من «النبوءة المحققة لذاتها» يتعرض فيه الناس لقواعد تتحكم في التجربة، وتحرمهم من المبادأة والابتكارية أو حرية الفعل ... إن الأشخاص الذين يعاملون بهذه الطريقة يغلب أن يستجيبوا طبقا لذلك، وطبقا لنفس القواعد الوظيفية للسلوك كما تفعل الحمائم أو الفئران أو الأسماك، ويقرر زيمباردو أنه في الظروف المعيارية يستطيع القائم بالتجربة أن يفترض وجود استمرارية في السلوك، وقد خلقها بصورة مصطنعة.»
1 (7) أثر المجرب (القائم بالتجربة)
experimenter effect
ثمة دلائل متزايدة على أن فرضية العالم السلوكي يمكن أن تعمل بمثابة «نبوءة محققة لذاتها» من خلال عمليات تواصل خفية دقيقة بين المجرب والمجرب عليه.
ذات يوم في هارفارد وجد عالم الاجتماع و. روزنثال نفسه مدفوعا إلى أن يعيد التحليل الإحصائي لبيانات رسالته للدكتوراه عن آلية «الإسقاط» الدفاعية الفرويدية، غير جاد وغير مضطر، فوجد أن تحليله يومئ بشدة إلى أن فرضيته أو توقعه عما ينبغي أن تكون عليه استجابة مفحوصيه كان يستشف من جانبهم بطريقة ما بحيث يحتمل أن تكون فرضيته قد صارت نبوءة محققة لذاتها! عكف روزنثال أكثر من ثلاثين عاما على دراسة ما أسماه «أثر التوقع»