تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

9

وإذا كانت الممارسات الثقافية الثابتة هي أفضل ما أتيح تجريبه في الماضي، فقد تكون بعض التنويعات الجديدة التي لم يتم تجريبها جديرة بأن تأخذ حظها من الاختبار الحصيف، وها هنا يكون الاتصال بين المجتمعات مصدرا ثريا للبدائل الجديدة والتحسينات الممكنة، ربما يكون الطب الشعبي، على سبيل المثال، أفضل العلاجات المكتشفة لدى ثقافة ما، ولكن أفضلية الطب الحديث في علاج الأمراض المعقدة، كالسرطان، هي أمر لم يعد محل جدال.

صحيح أن التقاليد القديمة كانت عمليات منتقاة بالضغط الانتخابي، عمليات مجربة أثبتت نجاعة في زمنها وتحت ظروفها، ولكن ليس من الحكمة التمسك ببناء فوقي بعد أن انفصم عن بنائه التحتي الخاص، وليس من الحكمة التشبث بتقاليد عتيقة بعد أن انبتت صلتها بأساسها القديم ولم تعد تلائم الأزمنة المتغيرة.

من الحكمة، كما يقول جون ستيوارت مل، إن نفسح المجال لشيء من «التجريب» في الفعل والسلوك، وأن نتحلى برحابة الصدر والعقل تجاه كل غريب مختلف، ذلك أن تعدد التجارب البشرية دليل ثراء وخصب، مثلما أنه سبيل تقدم وارتقاء، ومن شأن الزمن وحده أن يبين لنا أي هذه التجارب هو الأفضل والأجدى والأنجع فنأخذ به كعادة ونكتسبه اكتسابا.

10

لم يشهد تاريخ البشرية حقبة تزعزعت فيها الروابط بين المجال البيئي والمجال الاجتماعي مثل هذه الحقبة التي نعيش فيها: النمو السكاني، الميكنة، التجديدات التكنولوجية المتسارعة، نحن اليوم بإزاء إيقاع من تغير الظروف بلغ من السرعة مبلغا لم تعرفه الأجيال السابقة، يفرض علينا أن نعول على ملكاتنا النقدية، وأن نغامر بتجريب طرائق جديدة واختبارها وانتخاب أفضلها، وأن نجعل النقد نفسه، والتجريب والاختبار، تقليدا وعادة وديدنا. (6) التطويع الاجتماعي؛ غسيل الدماغ المحتوم «تتم صياغة «الأنا الأعلى»

super-ego (أو «البيئة المدخلة»

internalized environment ) في فترة دقيقة خاصة من حياة الكائن البشري: فترة طفولة جبرية طويلة، فيها يتصل الكائن بالواقع لأول مرة، معتمدا في إشباعاته على من يحيطونه من الوالدين وأشباههما من البالغين السابقين في تجربة الوجود، غير قوي على غير الخضوع والطاعة التماسا للإشباع وتجنبا للحرمان.

في هذه الفترة المتطاولة من الضعف والاعتمادية يتم دمج النماذج السلوكية الموروثة والمعايير الخلقية المقررة، يتم دمجها في الذات العليا مشكلة أصل ما يسمى بالضمير، وجذور ما يسمى بال «محافظة» (السياسية - الأخلاقية - الفنية - اللاهوتية ... إلخ) التي تتحدد مهمتها في إطالة عمر «الوضع القائم»

status quo

ودعم التقاليد والنظم الاجتماعية السائدة التي أفرزتها ضرورات اقتصادية واجتماعية سالفة، وربطها بأعماق النفس وتغليفها بالهيبة والقداسة، ومقاومة كل تغيير فكري أو اجتماعي مهما تكن بداهته ووجاهته وجدارته بتخفيف آلام المجتمع وتحسين أحواله.

في هذه الفترة المستطيلة من الضعف والاعتمادية يتم بتر الدهشة وإخصاء التساؤل واصطياد «النقد» في الماء العكر.

وإن شيئا تمت صياغته في ظروف من القهر والجبر، وفي حدود مما كان ومما هو كائن، لا يجمل ائتمانه على ما يأتي ولا استفتاؤه فيما ينبغي.»

11 «وإنه ليعجزنا أن نحزر كيف كان يمكن أن يكون حال عالمنا لو لم يداخل الشك بعض العقول الباسلة والبصائر النبيلة، فيسول لها أن تركل كهفها الدافئ وتذبح أمانها السمين، كيما تستنطق الحق وتستجوب الطبيعة، وكيف كان يمكن أن يكون حاله لو أن كل رهط من البشر ظلوا قابعين في حظيرتهم، متحككين كالخراف، غير منبتين عن جهالة الآباء أو متجاوزين «لطفولة» الأجداد!»

12 (7) متى يكون القدم معيارا صائبا؟

يزداد شغفي بك على مر الليالي،

كأنك الخمر أو العطر أو العود أو اللؤلؤ،

المغالطات المنطقية: فصول في المنطق غير الصوري · الصفحة ٩٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المغالطات المنطقية: فصول في المنطق غير الصوريص ٩٠