أو أي من تلك الأشياء المحظية القليلة
التي استأثرها الزمن بمودته،
وتبناها الفلك في دورته،
فهو يرضعها ولا يدوسها
ويكرمها ولا يهينها،
ويغليها ولا يرخصها.
غني عن القول أن القدم قد يكون معيارا للجودة في بعض السياقات:
فبعض الآلات الموسيقية يزداد رنينها بقدر ما يجف خشبها بفعل الزمن.
والنبيذ المعتق، والجبن المعتق، والعطر القديم ...
والأثر التاريخي، والوثيقة التاريخية، والأثر الفني ...
واللؤلؤ جوهر نفيس يستغرق تكوينه زمنا هائلا في جوف المحارة.
والصداقة، وغيرها من العلاقات الإنسانية، تتقوت بالزمن، وتزداد مع الأيام قوة ورسوخا.
ها هنا يكون الزمن طرفا فاعلا، ويكون القدم «ذا صلة»
relevant
بقيمة الشيء. (8) الاحتكام إلى الجدة
appeal to novelty
بعض العقول مغرم بالقديم، وبعضها متيم بالجديد ... بينما الحقيقة ينبغي ألا تلتمس في هناءة أي عصر، فذاك شيء غير مستقر، بل تلتمس في ضوء الطبيعة والتجربة، فذاك شيء خالد.
فرنسيس بيكون
مغالطة الاحتكام إلى الجدة هي معكوس المغالطة السابقة، وتفترض أن جدة الفكرة دليل على صدقها، وصورتها:
س جديد؛
إذن «س» صحيح أو أفضل.
ومن ثم تعد هذه المغالطة وثيقة الصلة ب «مغالطة عربة الفرقة»
bandwagon fallacy .
أمثلة
هذا المنتج حديث؛ إذن فهو أفضل.
هذه الأغنية جديدة؛ إذن فهي جيدة.
هذه النظرية أحدث؛ إذن فهي أصوب.
هذا الاتجاه الفكري أحدث؛ إذن فهو أصوب.
تستقي هذه المغالطة جاذبيتها من مصادر كثيرة:
منها ذلك الالتزام الشديد للثقافة الغربية بفكرة أن الأشياء الجديدة لا بد أن تكون أفضل من الأشياء القديمة.
ومنها فكرة «التقدم»
progress
أي الاعتقاد بأن الأزمنة المتأخرة هي تحسينات على الأزمنة المتقدمة، وأن الأشياء الأحدث عهدا أرقى من الأشياء الأقدم، ويبدو أنه اعتقاد مستمد جزئيا من فكرة «التطور»
evolution .
ومنها وسائط الدعاية التي كثيرا ما تدس رسالة ضمنية بأن الأحدث لا بد أن يكون هو الأفضل.
بديه أن عمر الفكرة لا صلة له بنصيبها من الحق أو الصواب، وأن كون الشيء جديدا هو أمر لا يضمن جودة ذلك الشيء، ويكفي أن نذكر أنه ما من فكرة بالية نرفضها اليوم باعتبارها هراء باطلا إلا وكانت فكرة جديدة في يوم من الأيام! (9) متى تكون الجدة معيارا صائبا؟
الاحتكام إلى الجدة، شأنه شأن غيره من المغالطات، قد يصح في بعض السياقات ويكون له ما يبرره: متى يصح الاحتكام إلى الجدة؟ عندما تكون الجدة ذات صلة بالجودة:
فلبن اليوم لا شك أفضل من لبن الأمس لأنه طازج لم تعمل فيه عوامل الفساد.
وعلوم العصر أصوب من العلوم القديمة؛ لأنها تراكم عليها وتصحح أخطاءها.
ومدارك الناس، من ثم، في زمننا أوسع بما لا يقاس من مدارك الأسلاف في القرون الغابرة.
الفصل الثاني والثلاثون
| النبوءة المحققة لذاتها
Self-fulfilling prophecy
ثمة صنف من النبوءات يتصف بصفة عجيبة: أنه يصدق إذا صدقناه! يطلق على مثل هذه النبوءات «النبوءات المحققة لذاتها».
النبوءة المحققة لذاتها هي تنبؤ يؤدي بنفسه، على نحو مباشر أو غير مباشر، إلى أن يصبح حقا، فرغم أنه في البداية تحديد زائف للموقف، إلا أنه يحفز سلوكا جديدا من شأنه أن يجعل التصور الزائف الأصلي يتحقق ويصير واقعا ، يعمل هذا الصواب الخادع للنبوءة على استتباب الخطأ ودوامه؛ لأن المتنبئ سوف يستشهد بالمجرى الفعلي للأحداث كبرهان على أنه كان صادقا منذ البداية، وبعبارة أخرى: فإن تنبؤا معلنا على أنه صادق (بينما هو في الحقيقة كاذب) قد يؤثر في الناس (من خلال الخوف، أو الخلط المنطقي، أو الإحجام، أو الإقدام، أو الحماس، أو الفتور، أو التشجيع، أو التثبيط ...) بحيث تفضي استجاباتهم في النهاية إلى تحقيق التنبؤ الذي كان كاذبا من قبل.
يعود مصطلح «النبوءة المحققة لذاتها»