4
من الواضح أن تولمن متأثر في دراساته بأفكار كارل بوبر عن تطور المعرفة البشرية والنظريات العلمية، يذهب بوبر إلى أننا نحقق تقدما في معرفتنا، ونقارب الحقيقة، بواسطة عملية محاولة وخطأ، ويقدم نظرية تطورية لنمو المعرفة، مفادها أننا نبدأ من مشكلة معينة (م1)، نقوم إزاءها باقتراح «حل اختباري»
tentative solution
أو «نظرية اختبارية»، ثم نحاول عندئذ استبعاد النظريات الكاذبة بتعريضها لاختبار قاس ونقد شديد، عندئذ يبرز موقف جديد أو مشكلة جديدة (م2) نتناولها على نفس النحو، وهكذا تنمو المعرفة باطراد، في حلقات متتالية تبدأ من مشكلة وتنتهي بمشكلة، لكنها ليست دائرية، فهي لا تنتهي من حيث بدأت، بل تنتهي بموقف جديد ومشاكل جديدة، هذه الجدة هي التي تكفل التقدم المستمر للمعرفة.
5
صفوة القول إن «الوراثة الثقافية»
cultural inheritance
قد تعد تكيفية، وأن الثقافات قد تتطور لأنها تقدم للجنس البشري «مزايا انتخابية»، ففي البيئة الثابتة يمكن أن تتطور تقاليد ثقافية تكيفية، من أمثلة ذلك استمرار عادة أكل الباقلاء
fava beans
ألوفا من السنين بين شعوب متوسطية عديدة، برغم خطره على بعض من لديهم استعداد جيني معين، فقد تبين أن الجين الذي يؤدي إلى حساسية للباقلاء يضفي أيضا مقاومة للملاريا، ومن ثم فقد كان هذا الجين ينتخب طبيعيا في المناطق الموبوءة بالملاريا، وهكذا كان لأكلة الباقلاء في هذه المناطق مزايا بقاء جعلتهم أكثر عددا بفضل مقاومتهم للملاريا، وهكذا فإن سمة ثقافية انتقلت من جيل إلى جيل قد انتخبت طبيعيا، وسادت المجتمع بعد أجيال عديدة.
6
ومن ذلك أيضا أن فلاحي الريف الأوروبي الإقطاعي درجوا على أكل البطاطس والجبن والبيض، دون أن يعانوا من زيادة دهون الدم ومن تصلب الشرايين، وغير ذلك من الأمراض المتوقعة من مثل هذا الطعام الدهني أو العالي السعرات، توارث الناس أكل هذا الطعام وأصبح عادة راسخة، ولم يفطنوا إلى السبب من وراء ذلك: فقد كانت الكثافة السكانية آنذاك عالية ومصادر الطعام شحيحة، ومن ثم كان هذا الطعام هو الأنسب لمن يعيش على الكفاف.
ومن ذلك عادة أكل الطفل (الطين) في جبال بيرو! لقد ترسخت لدى السكان هذه العادة الغريبة دون أن يسألوا عن السبب من وراء ذلك، كان هؤلاء السكان يأكلون صنفا معينا من البطاطس مغذيا ولكنه سام، وقد تبين أن أكل الطفل مع هذا الطعام هو بمثابة ترياق له إذ يمتص المواد الكيميائية السامة.
7
غير أن اختبار الزمن في الممارسات الاجتماعية قد تم في بيئة محددة وظروف بعينها، وينبغي أن نكون على استعداد لإعادة تقييمها إذا ما تغيرت الظروف:
فإذا ما تبنت البلاد الموبوءة بالملاريا مشاريع صرف ونجحت برامج مكافحة البعوض في القضاء على الملاريا، هنالك قد يغدو أكل الباقلاء عادة بالية.
وإذا قدر لشخص أوروبي حديث (حيث وفرة الطعام وقلة المجهود) أن يعيش حياته على البطاطس والجبن والبيض فبشره بطول بقاء في العناية المركز لأمراض الشريان التاجي.
8
وإذا ما تقدمت المجتمعات اقتصاديا وتكنولوجيا لم يعد ثمة معنى لبقاء المرأة في البيت، وقد صار بوسعها تقلد وظيفة مريحة ومضاعفة دخل الأسرة.
زد أن الممارسات المنتخبة إنما هي محض «تكيف» مع الموقف وليست «مبررا» له بحال. (5) هابرماس وعلاقات القوة في الوراثة الثقافية
ليكن النقد والتمحيص والتنقيح هو العادة والتقليد والعرف.
يذهب الفيلسوف الألماني يورجين هابرماس
J. Habermas
إلى أن التقاليد قد تخلق بنى اجتماعية وعلاقات قوة كفيلة بدورها أن تقمع الحجة وفقا للعلاقات القائمة على السلطة أو الثروة، ومن ثم فإن على المرء أن يميز بين تقليد تؤيده أجيال من الاختبارات وتقليد تفرضه السيطرة والطغيان وتحول دون اختباره: إن التقاليد قد تفرض بالقوة لكي تصب في مصلحة الطبقة المسيطرة، وإن الظلم الاجتماعي ليعوق تطور المجتمعات إذ يمنع انتخاب التنوعات التكيفية.