2
الطرق الشعبية إذن لا يبتكرها البشر عن عمد أو تفطن، إنها أشبه بنواتج قوى الطبيعة التي يديرها الإنسان عن غير وعي، أو هي أشبه بالطرق الغريزية للحيوان؛ إذ تنجم من الخبرة وتصل إلى شكل نهائي يحقق أقصى تكيف بإزاء غرض ما، وتصير تقليدا ينتقل من جيل إلى جيل ولا تقبل استثناء أو شذوذا، غير أنها يمكن أن تتغير لتوافق ظروفا جديدة ولكن تغيرها يتم في حدود الطرق نفسها ودون تفكر أو قصد عقلي.
تتحدد الطرق من جانبها السلبي؛ أي بواسطة «المحرمات»
taboos ، والطريقة الصحيحة هي الطريقة التي اتبعها الأسلاف، والتي أورثوها الأخلاف، التقليد هو برهان ذاته ومسوغ نفسه، التقاليد تحمل في ذاتها مبرراتها، فهي لا تقع في النفس موقعا يعرضها للتحقيق بالخبرة، إن فكرة «الصواب» قابعة في الطرق الشعبية، الصواب لا يأتي من الخارج، من مصدر مستقل، لكي يختبرها ويتحقق منها، فأيما شيء تقوله الطرق الشعبية فهو حق؛ ذلك لأنها تقليدية موروثة تنطوي في داخلها على سلطة أرواح السلف.
هكذا ينبغي أن نتصور الأعراف على أنها نسق عريض من الأحكام التي تشمل الحياة كلها وتخدم مصالحها جميعا، وتحمل في ذاتها مبرراتها عن طريق التقليد الموروث والاستخدام والعادة، ويسلم الناس بها خضوعا لسطوة سرية باطنة إلى أن تؤسس، عن طريق التأمل العقلي، تعميماتها الفلسفية والأخلاقية الخاصة ، والتي ترقى عندئذ لتصبح «مبادئ» الحق والصواب.
تسيطر الأعراف على كل جيل ناشئ وتخضعه لسلطانها، والأعراف لا تحفز الفكر بل تثبطه، فالتفكير قد تم وقضي أمره وتجسد في الأعراف، ولا تحمل الأعراف على الإطلاق أي احتمالات بمراجعتها وتعديلها، فالأعراف ليست أسئلة بل أجوبة - أجوبة عن مسائل الحياة، وهي تقدم نفسها كشيء نهائي وغير قابل للتغيير؛ لأنها تمثل أجوبة مقدمة بوصفها «الحقيقة».
ليس بوسع أية فلسفة شعبية أن تقدم نفسها كشيء مرحلي وغير مكتمل وقابل للدحض غدا مع نمو المعرفة، فهذا التوجه الفلسفي حديث للغاية، ذلك أنه يكلف المرء عنتا ذهنيا شديدا، إن جميع الشعوب التي نرى أعرافها أدنى مستوى من أعرافنا هي على قناعة تامة بما لديها من أعراف مثلما نحن على قناعة بما لدينا، فالأعراف إنما تقيم بمدى تجاوبها مع ظروف الحياة ومصالحها في زمان ومكان معينين، ومن ثم فمن الصلاح والتيسير ألا يوليها أحد تفكيرا أو تأملا بل أن يتعاون الجميع في تنفيذها غريزيا. (3) اختبار الزمن
قد يقول قائل: ولكن كيف يتسنى لاعتقاد ما أن يدوم كل هذا الزمن لو لم يكن هذا الاعتقاد حقا وصوابا؟! أليس بقاء الفكرة أو العادة ردحا طويلا من الزمن دليلا على نجاحها وصحتها وإسعافها للناس في حياتهم على الأرض؟ أليس دليلا على أنها قد «اجتازت اختبار الزمن»
passed the test of time ، وأثبتت فاعليتها في مواقف متتالية وتجارب متعاقبة؟ ألا يقيم العلم نفسه وزنا لما يسمى «اختبار الزمن»، ولما يسمى «تكرار التجربة»
replication ؟ «الحق أن الاحتكام إلى التقاليد كثيرا ما يعكس ضروبا معقدة من التكيف مع البيئة، ما إن تنشأ هذه التكيفات حتى تنتقل على نحو ثقافي وليس كحجة ممنطقة، فيكون الناس على وعي بحكمة تقاليدهم أو على غير وعي، وأغلب الاحتمال أن تكون التقاليد صائبة في البيئة الثابتة حيث أتيح لكثير من الاختلافات أن تختبر في الماضي، على أن التقاليد تميل إلى أن تبلى وتندثر في البيئة السريعة التغير.»
3 (4) الوراثة الثقافية والضغط الانتخابي
في كتابه «التكيف البشري» يذهب ستيفن تولمن إلى أن تطور الأفكار العلمية شبيه بالعمليات التطورية الأخرى، وإن لم يكن تطورا داروينيا بالمعنى الحرفي: ف «المتخالفات» (المتغايرات)
variants
في العلم ليست «سمات»
traits
بل «أفكارا» مخالفة، والضغط الانتخابي في العالم الفكري يعود إلى «شدة النقد»، إن «التفكير النقدي» ليقدم لنا بديلا عن «الانتخاب الطبيعي».