ويبدو أن المناعة الأيديولوجية هي شيء متأصل في الأداء البحثي العلمي، حيث تعمل ك «مرشح» أو «مصفاة» ترشد اندفاع التجديدات العلمية وتردها إلى الحصافة والحذر، من دأب المجتمع العلمي أن يقاوم التجديدات العلمية الثورية لا أن يفتح لها ذراعيه! لأن لكل عالم ناجح مصلحة مكتسبة (فكرية واجتماعية بل ومالية) في الحفاظ على الوضع القائم، ولو أن كل فكرة جديدة ثورية استقبلت بالترحاب لكانت النتيجة هي فوضى كاملة وشواش تام.
بوسعنا تعميم ذلك على أصعدة الحياة جميعا فنرى إلى مسيرة التقدم في كل شيء على أنه توتر محسوب بين بروكروست وثيسيوس! بين التقليد والتجديد، بين الموالاة والمعارضة، بين اليمين واليسار، في مسرحية «أوديب» لأندريه جيد يلخص «كريون» هذه القضية تلخيصا محكما في الفصل الثاني، إذ يقول لأوديب: «... لو لم نكن متباينين إلى هذا الحد لما وجد أحد منا هذه المتعة حين يفهم عن صاحبه: وإني أيها الصهر العزيز لأحب حديثك؛ لأنك تفتح لي آفاقا لم أكن لأهتدي إليها وحدي، فلك الابتكار والتجديد، أما أنا فيقيدني الماضي، وأنا من أجل ذلك أحترم التقاليد والعادات والقوانين المقررة، ولكن ألا ترى أن من الخير للدولة أن يمثل هذا كله، وأني أحقق التوازن المفيد بإزاء عقلك المجدد، فأحول بينك وبين الاندفاع أو أهدئ من مغامراتك الجريئة التي توشك أن تحطم نظام الجماعة إذا لم تؤخذ بشيء من القصد يأتيها من هذا السكون، ومن هذا التشبث بالقديم ...»
9
الفصل التاسع والعشرون
| مغالطة المقامر
gambler’s fallacy
تنطوي مغالطة المقامر على خطأ في فهم فكرة الاحتمالات
probability
وفكرة الأرجحية
odds ،
1
ونحن نرتكب هذه المغالطة عندما نظن أن ما وقع في الماضي له تأثير على الأرجحية - أو الاحتمالات - الحالية، حين نرمي قطعة العملة رمية ترجيح فإن احتمال «الصورة» في كل رمية هو 50٪ واحتمال «الكتابة» 50٪، ولا صلة لاحتمالات كل رمية بالرمية السابقة عليها ولا بأية رمية أخرى على الإطلاق، فإذا رمى شخص ست رميات كانت جميعا «صورة» واستنتج من ذلك أن الرمية القادمة لا بد لها من أن تكون «كتابة» لأن «الكتابة» طال غيابها ولا بد أنها الآن متوقعة أو مرجحة جدا، يكون هذا الشخص قد ارتكب «مغالطة المقامر»، ذلك أن نتائج الرميات السابقة «لا ضغط لها» البتة على الرمية السابعة، فالرمية السابعة لديها احتمال 50٪ للكتابة و50٪ للصورة مثلها مثل أي رمية أخرى.
أمثلة (1)
لقد اشتريت ثماني بطاقات حظ الأسبوع الماضي، ولم تكن بينها أي بطاقة رابحة، وحيث إن فرص الكسب هي واحد لكل تسعة، فإن بطاقتي القادمة ستكون رابحة على الأرجح. (2)
أما زلت تشتري أوراق اليانصيب هذه؟
نعم، لقد ظللت أشتريها بانتظام لمدة سنتين ولم أربح.
إذن لماذا تحرص على شرائها؟!
حسن، بما أنني لم أربح حتى الآن، فإن الوقت قد حان لكي أربح عاجلا. (3)
أما زلت مصمما أن تراهن على الحصان «فارس»؟ لقد خسر ثلاثة من سباقاته الأربعة الأخيرة.
لذلك سوف أراهن عليه الآن، لقد راجعت السجلات وعرفت أن «فارس» قد ربح نصف سباقاته في العامين الأخيرين، وحيث إنه خسر ثلاثة من سباقاته الأربعة الأخيرة، فلا بد من أنه سيفوز في هذا السباق.
هل أنت واثق من ذلك؟
بالتأكيد، لقد حان فوزه الآن.
في كل مثال من الأمثلة السابقة يأخذ شخص احتمال وقوع حدث «أ» خلال فترة من الوقت، ويلاحظ أنه خلال الشطر الأول من تلك الفترة كان الحدوث الفعلي ل «أ» أقل بكثير من المتوقع، فيستدل من ذلك على أن حدوث «أ» سيكون أكثر احتمالا في بقية الفترة، وهو استدلال مغلوط بالنظر إلى مفهوم الاحتمالات والأرجحية.
وقد تمضي المغالطة أيضا في الاتجاه المقابل: فيفترض المرء أن الحدوث الزائد عن المتوقع ل «أ» لا بد من أن يؤدي إلى انخفاض احتمالية «أ» فيما سيأتي؛ وذلك لكي تتحقق الاحتمالات وتستوي الأمور في نصابها: - أتشتري بطاقات الحظ ثانية هذا الأسبوع؟ - نعم. - أي الأرقام سوف تختار؟ - حسن، إن الأرقام التي كثر فوزها حتى الآن هي 3، 7، 28؛ لذا فلن أختارها بكل تأكيد، فقد آن لها أن تتلقى نصيبها من الخسارة لفترة غير قصيرة.