تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يطول الأمد فننسى أننا أصحاب المنهج وصانعوه، وأننا مسئولون «عنه» بقدر ما نحن مسئولون «أمامه»! وما المنهج في نهاية التحليل؟ إنه عادات تحدد لنا الطريقة التي نعرف بها الأشياء ونمارس العمل، عادات شكلتها أيديولوجيات خفية (يسميها رولان بارت بالأساطير في السيميوطيقا الخاصة به)، ثم تكلست بفعل التكرار حتى أصبحت سريرا بروكرستيا جاسيا يحدد لنا حدود ما نقبله وما نرفضه، ويضع لنا مسبقا معايير «الصدق»

validity

6

في عمل يفترض فيه أنه ابتكار دائم وكشف للخفي وارتياد للمجهول، وما كان للحقيقة أن ترضخ لمنهج صنعناه بأيدينا ثم عبدناه كإله من الحلوى، وما ظنك بمآل ذلك في كل مرحلة من مراحل العلم القياسي؟ إنه العقم وجفاف الدم في عروق البحث، تعقبه «أزمة»

crisis

وتراكم «شذوذات»

anomalies

ثم «ثورة علمية»

scientific revolution

تمس المنهج نفسه فيما تمس.

الحق أن «المنهج»

method

و«الموضوع»

object

لا يمكن أن ينفصلا: لقد حدد لنا المنهج مقدما ما سوف نراه! لقد أنبأنا ماذا يكون الموضوع بوصفه موضوعا؛ لهذا السبب يعد كل منهج تأويلا بحد ذاته، غير أنه أحد التأويلات فحسب، والموضوع الذي يرى بمنهج آخر سيكون موضوعا آخر.

7

يبدو أن فكرة «المنهج» بألف لام التعريف لا تستقيم وفكرة «المجهول» الذي نريد ارتياده وكشفه، المجهول «مجهول» بطبيعته وتعريفه فكيف نريد اصطياده بمنهج «معلوم» يحدد لنا سلفا ما سوف نصطاد؟! إنما يبزغ «المنهج» على رسله «بعديا»

a posteriori

من البحث وفي البحث، ربما لذلك لم تعد هناك إبستمولوجيا عامة تصلح لكل شيء، وانتقلنا الآن إلى «إبستمولوجيات جهوية»

modal epistemology

على حد تعبير جاستون باشلار، يقول باشلار في «فلسفة لا»: «في اعتقادنا أن مهام فلسفة العلوم تطرح في مستوى كل مفهوم على حدة: فكل افتراض وكل نقطة، كل تجربة وكل معادلة تتطلب فلسفتها الخاصة.»

ويبدو أننا بحاجة، فضلا عن مناهج البحث التقليدية، إلى منطق آخر للحدس الذكي، لتلك اللحظة الفنية من لحظات الكشف العلمي، لتلك القفزة الإبداعية التي تتجاوز دائما المعلومات المتاحة وتضيف إليها شيئا غيبيا لم يكن مبذولا للإدراك العادي، نحن بحاجة إلى معايير أخرى لما هو افتراضي، مبدئي، تأملي، معايير إستطيقية معينة تقدر جمال الظني والحدسي. (2) المناعة الأيديولوجية، أو «مشكلة بلانك»

من دأبنا جميعا، في حياتنا اليومية كما في صعيد العلم، أن نقاوم أن أي تغيير في النموذج المعرفي الأساسي (النموذج الشارح

paradigm )، يطلق عالم الاجتماع ستيوارت سنيلسون على هذه الظاهرة «جهاز المناعة الأيديولوجي»

ideological immune system ، يذهب سنيلسون إلى أنه كلما تراكمت المعرفة لدى الأفراد وترسخت نظرياتهم فإن ثقتهم بهذه النظريات يتعاظم ويكتسبون «مناعة» ضد أي نظريات جديدة لا تعزز النظريات السابقة، ويطلق مؤرخو العلم على هذه الظاهرة «مشكلة بلانك»

Plank problem ، نسبة إلى عالم الفيزياء الشهير ماكس بلانك الذي أبدى هذه الملاحظة فيما يتعلق بالعلم: فقلما اتفق لتجديد علمي هام أن يشق طريقا هينا سلسا ويحمل مناوئيه على التخلي عن نموذجهم والتحول إليه طواعية واقتناعا، فمن النادر أن يتحول «شاول» إلى «باول»،

8

أما الذي يحدث بالفعل فهو أن المعارضين يموتون عن نموذجهم واحدا بعد الآخر، وينشأ الجيل القادم على إلف بالفكرة الجديدة منذ البداية! ومن النتائج البحثية اللافتة ما وجده عالم النفس ديفيد بيركينز من ارتباط موجب بين درجة الذكاء (كما تقدرها اختبارات الذكاء القياسية) وبين القدرة على تعضيد الرأي والدفاع عنه، وارتباط سالب بين الذكاء وبين القدرة على أخذ الآراء البديلة بعين الاعتبار، وبتعبير أبسط: كلما ارتفع معدل الذكاء كان الفرد أكثر مناعة أيديولوجية وأقل قدرة على الاستجابة للفتوحات الفكرية الجديدة (!).

المغالطات المنطقية: فصول في المنطق غير الصوري · الصفحة ٨٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المغالطات المنطقية: فصول في المنطق غير الصوريص ٨٤