تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

illusions

البصرية جميعا هو أن نظرية معينة لتأويل الصورة تبدو معطاة في الإدراك بوضوح تام، وحين تنكشف لنا للمرة الأولى تبدو خارجة تماما عن سيطرة النقد العقلي شأنها شأن أي إدراك حسي.»

تلك هي البروكرستية المقدرة على الكائن البشري والمبيتة في كل إدراك يدركه، والتي تجعلنا نرى ما نتوقع أن نراه، ذلك أن إدراكنا يعتمد تماما على مخططاتنا التصورية، وهذه الأخيرة تعتمد بدورها على خلفياتنا الاجتماعية والثقافية، على «نظرياتنا»! يقول نلسون جودمان: «ليست هناك عين بريئة! المادة الخام للرؤية لا يمكن استخلاصها من المنتج النهائي، قد تتغير مخططاتنا وتتطور، قد تنقح وتستبدل، قد توحي بها أو ترشدها عوامل من كل صنف، غير أنه بدون مخطط ما فلن يكون إدراك.»

5

هذا ما عناه نوروود رسل هانسون

N. R. Hanson

بقوله، الذي أصبح من مأثورات فلسفة العلم الجديدة، «الإدراك محمل بالنظرية»

Perception is theory-laden ، فخلفياتنا النظرية، تصوراتنا واعتقاداتنا وتوقعاتنا، تؤثر فيما نراه، أو على الأقل في كيفية رؤيتنا له، ويجرنا ذلك تلقائيا إلى الحديث عن بروكرستية الملاحظة العلمية. (1-7) بروكرستية الملاحظة العلمية

على الرغم من أن الواقع قائم «هناك» بمعزل عن الملاحظ، فإن إدراكنا للواقع متأثر بنظرياتنا التي تحدد طريقتنا في تفحص الواقع، يشمل ذلك إدراكاتنا ويشمل أيضا أدواتنا العلمية التي هي امتداد لإدراكاتنا، مثال ذلك أن حجم التلسكوبات كان دائما يشكل ويعيد تشكيل فكرتنا عن حجم الكون، فحين نصب إدفين هوبل تلسكوباته الجديدة في جنوب كاليفورنيا أتاح للفلكيين لأول مرة تمييز النجوم المفردة في المجرات الأخرى، هنالك تبين أن تلك الأشياء الغائمة المسماة «سدما»، والتي كنا نحسبها ضمن مجرتنا، هي في الحقيقة مجرات منفصلة.

في القرن التاسع عشر كان «قياس الجمجمة»

craniometry

يحدد الذكاء بأنه حجم المخ، وابتكرت أجهزة معينة لقياس الذكاء على هذا التعريف، واليوم يعرف الذكاء بأنه كفاءة الأداء في مهمات معينة يقيسها جهاز آخر هو «اختبار الذكاء»

I.Q. test ، يوضح سير أرثر ستانلي هذه المشكلة بتشبيه حاذق: فلنتصور أن عالما في الأسماك

ichthyologist

يستكشف الحياة في المحيط، فيلقي بشبكة في الماء ثم يخرج تنويعة سميكة، وإذ يقوم بفرز صيده فإنه يمضي على الطريقة المعتادة للعلماء وينظم ما اكتشفه، فيصل إلى تعميمين:

ليس هناك كائن بحري يقل طوله عن بوصتين.

جميع الكائنات البحرية لها خياشيم.

في هذا «الأنالوجي» يرمز الصيد إلى مادة المعرفة التي تشكل العلم الطبيعي، وترمز الشبكة إلى الأدوات الحسية والفكرية التي نستخدمها في تحصيل المعرفة، وترمز عملية إلقاء الشبكة إلى الملاحظات.

قد يعترض مشاهد بأن التعميم الأول خاطئ: «فهناك كائنات بحرية كثيرة أقل طولا من بوصتين، كل ما في الأمر أن شبكتك غير مكيفة للإمساك بها.» غير أن عالم الأسماك يرد على هذا الاعتراض بازدراء قائلا: «كل ما لا يمكن إمساكه بشبكتي هو، بحكم طبيعته ذاتها

ipso facto ، خارج عن النطاق المعرفي لعلم الأسماك وليس جزءا من مملكة الأسماك التي تم تعريفها بأنها الموضوع المعرفي الذي ينصب عليه علم الأسماك، أو، باختصار، ما لا يمكن لشبكتي أن تمسك به فهو ليس سمكا.»

كذلك الحال بالنسبة للتلسكوب والذكاء: ما لا يراه تلسكوبي ليس موجودا هناك، وما لا يقيسه اختباري ليس ذكاء، من البديهي أن المجرات موجودة، والذكاء موجود، الخطب أن طريقة قياسنا وفهمنا لها تتوقف بشدة على أدواتنا المتاحة. (1-8) بروكرستية البحث الأكاديمي

كلما طال الأمد على البحث الأكاديمي ترسخت فيه معايير معينة للدراسة، تتحول في النهاية إلى «سرير بروكرستي» علينا أن نطوع له عملنا وننتقي ملاحظاتنا وبياناتنا بحيث تفي بالمعايير وتأتي على مقاس السرير!

المغالطات المنطقية: فصول في المنطق غير الصوري · الصفحة ٨٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المغالطات المنطقية: فصول في المنطق غير الصوريص ٨٣