تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في رواية «ثيسيوس» لأندريه جيد يقول ثيسيوس بعد أن أسهب في تبيين طريقته في فرض المساواة: «وقد استمع بيريتوس لهذه الخطبة التي ألقيتها على السادة، فقال لي إنها خطبة رائعة، ولكنها سخيفة، وكان يعلل ذلك بأن المساواة بين الناس ليست طبيعية بل ليست شيئا يبتغى، فمن العدل أن يتفوق الأخيار على طغام الناس بما تخولهم الفضيلة من امتياز، وهؤلاء الطغام إذا لم تثر بينهم التنافس والتزاحم والغيرة ظلوا هامدين خامدين أشبه شيء بالماء الراكد الآسن، فليس لهم بد من حافز إلى العمل ... وسواء أردت أم لم ترد فإن هذه التسوية الأولى التي تطمح إليها وهي تكفل للناس جميعا تكافؤ الفرص ليسعوا إلى الحياة من مستوى واحد، ستنتهي قطعا إلى اختلاف والتفاوت، فتنشأ طبقات تتأثر بما يتمايز الأفراد به من الكفاية وحسن البلاء، ستنشأ طبقة العامة الشقية والأرستقراطية السعيدة.»

وفي كتابه الكلاسيكي «نظرية في العدل»

a theory of justice

يطرح جون رول

John Rawl (1921-...) نظرية ربما تكون أهم نظريات العقد الاجتماعي المعاصرة وأبعدها أثرا، فيصور المجتمع العادل بأنه ذلك المجتمع الذي سوف تختاره الكائنات العاقلة لو أنها حملت على اختيار المؤسسات والقوانين «من وراء حجاب من الجهل»

behind a veil of ignorance

أي دون أن تعلم ما ستكونه مراكزهم الاجتماعية الفعلية، قد يسبق إلى الظن أن مثل هذه الكائنات حرية عندئذ أن تختار حالة من المساواة المطلقة كأفضل رهان لها. إلا أن رول يبدهنا بغير ذلك، ويقنعنا بالحجة أن هؤلاء المتعاقدين الأصليين الذين حجبت عنهم الحقيقة هم حريون أن يختاروا (ويعدوه عدلا) نظاما اجتماعيا ينطوي على تفاوت في الثروة ما دام هذا التفاوت يجعل أقل المواطنين حظا هو أفضل حالا مما يكون عليه تحت أي توزيع بديل، بذلك يمكن أن تقوم حجة، باتباع طريقة رول، بأن الرأسمالية التنافسية هي نظام عادل رغم أن بعض الناس فيها أغنى من الآخرين بما لا يقاس، إذ إن الأقل حظا في هذا النظام سيكون أسوأ حالا وأشد فقرا لو أنه كان في نظام آخر أكثر مساواة (ولكن أقل في الكفاية الاقتصادية).

4

وعلى ذكر نظريات العدل والبروكرستية الاشتراكية تقفز إلى الذهن أبيات للعقاد تترجم شطرا كبيرا من هذا النقاش السياسي المحتدم، يقول العقاد (على طريقته في استقصاء المعنى):

إنا نريد إذا ما الظلم حاق بنا

عدل الأناسي لا عدل الموازين

عدل الموازين ظلم حين تنصبه

على المساواة بين الحر والدون

ما فرقت كفة الميزان أو عدلت

بين الحلي وأحجار الطواحين (1-6) بروكرستية الإدراك الحسي

ثمة عنصر بروكرستي في كل إدراك حسي، وربما في كل إدراك ذهني على الإطلاق، فالإحساس البصري المحض، على سبيل المثال، لا يقدم لنا أكثر من بقع فسيفسائية مبعثرة، هي «المعطيات الحسية»

sense data (sensa) ، ثم يأتي «المخطط الذهني»

schema ، أو «النموذج» أو «الجشطلت»، فيضفي هيئة ومعنى معينا على هذا الهلام الحسي الغفل، ونحن في إدراكنا الحسي لا نملك إلا أن نملأ الفراغات ونسد الثغرات ونسبغ الكمال على الأشكال الناقصة، ونضفي الاتصال على المنفصل، والاستمرار على المتقطع ... إلى آخر تلك الآليات التي فصلها الجشطلتيون في سيكولوجية الإدراك. «المخطط الذهني» أو «البناء الذهني»

mental construct

أو «النموذج المرشد» ... هو شرط ضروري للإدراك، فنحن في حقيقة الأمر لا نرى موضوعات محددة من مثل البشر والحيوانات والأشجار والموائد والكراسي ... بل نرى بقعا لونية مشتتة، ومن هذه الخامة الحسية «نستدل» عندئذ على العالم المعتاد أو «نشيده»، الإدراك الحسي إذن هو في حقيقته «تشييد ذهني»

mental construction

تضطلع فيه قوالب العقل المسبقة (أسرة بروكرست) بدور محوري!

وقد أشار الفيلسوف الأمريكي شارلس ساندر بيرس إلى أن الإدراك الحسي هو ضرب من التأويل أو الاستدلال: «... فالأمر اللافت في «الخدع»

المغالطات المنطقية: فصول في المنطق غير الصوري · الصفحة ٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المغالطات المنطقية: فصول في المنطق غير الصوريص ٨٢