تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

1 (1-5) البروكرستية السياسية

تعمد البروكرستية السياسية إلى صب المواطنين جميعا في قالب واحد؛ تعميما للخير والتماسا للعدالة، تتجذر البروكرستية السياسية في «مذهب الماهية»

essentialism

الفلسفي، وهو الرأي القائل بأن «للأشياء خصائص ماهوية»

de re essential properties ، أي خواص ضرورية بمعزل عن تصنيفاتنا وتعريفاتنا، للإنسان، من ثم، وماهية حقيقية تميزه عن غيره من الكائنات: قد تكون هذه الماهية هي الروح العاقلة (الإنسان حيوان عاقل)، وقد تكون هي الميل إلى الحياة في تجمعات مدنية (الإنسان حيوان مدني) ... إلخ، المهم أن هناك ماهية ثابتة محددة للإنسان بها يكون إنسانا وبدونها يكون أي شيء آخر، هناك «مثال أفلاطوني» أو «صورة»

eidos

أو «فكرة»

idea

أزلية للإنسان ينبغي على الإنسان الحقيقي الأرضي أن يسعى إلى تجسيدها ويقترب منها.

كل أولئك أفكار ميتافيزيقية مأمونة، لا ضير أن يتداولها الفلاسفة فيما بينهم ويختلفوا حولها على مقاعدهم النظرية الوثيرة، يبدأ الخطر، رغم ذلك، حين تقع مثل هذه الأفكار في أيدي (أو بالأحرى رءوس) السياسيين أولي البأس وذوي القدرة على استخدامها في الواقع الحي ووضعها موضع التنفيذ، حين يقع للطاغية «المثالي»

idealist

تصور واضح عما تكونه الطبيعة البشرية فقد يرى نفسه مضطرا إلى فرضها بالقوة على رعاياه وصبهم في قالبها ضربة لازب، وسحق كل من تحدثه نفسه بالتمرد على هذا القالب الأزلي الواحد.

هكذا ينشأ ما يسميه أنتوني فلو

Antony Flew ، مؤلف كتاب «سياسة بروكرست» ب «البروكرستية الاشتراكية»

socialist Procrusteanism

أو «العدالة المحافظة»

conservative justice ، إنها ضرب من اليوتوبيا الاجتماعية تريد أن تفرض التجانس على الناس، وتفرض المساواة المطلقة على المواطنين، فتأخذ من البعض وتعطي البعض الآخر حتى يعتدل الميزان.

2

إن أنتوني فلو هو بمثابة «ثيسيوس معاصر» يريد أن يحطم البروكرستية بأن يكشف زيفها وتهافتها ويفضح طبيعتها المؤذية المظلمة ويخرجها إلى وضح النهار: الأمر هنا ليس مجرد مبدأ شخصي يدعو إليه من يدعو، بالحكمة والموعظة الحسنة، أو ربما بتقديم مثال في التضحية والبر (على طريقة ليو تولستوي مثلا)، ولكنه منهج سياسي وإداري يراد فرضه على نطاق هائل بقوة الآلة الحكومية الجبارة.

لم يقف جنون البروكرستيين السياسيين عند حد:

فمنهم من لم يقنع بإعادة توزيع الثروة على الأفراد بالعدل والقسطاس، فذهب إلى ضرورة تحطيم «نظام الأسرة» - منبع التفاوت بين الناس ومعقل اللامساواة وحصنها الحصين.

ومنهم من ذهب إلى ضرورة فرض «المساواة المعرفية»

cognitive equality ، فلا ينبغي أن «يعرف» شخص أكثر مما يعرف الآخرون.

بل ذهب بعضهم إلى ضرورة «تحسين النسل» (اليوجينيا

eugenics ) لاجتثاث التفاوت من المنبع ... من البيولوجيا!

من السخرية أن البروكرستية يمكن أن تبلغ مأربها وتشفي صدرها ب «المساواة في الجهل» بقدر ما تشفيه ب «المساواة في العلم»، وأن تقضي وطرها بالإساءة بقدر ما تقضيه بالإحسان! إن مذهب المساواة هو عماد الرفاه، وعماد الضنك أيضا، ما لم يستبدل به مبدأ آخر من مبادئ الواجب.

يذهب أنتوني فلو إلى أن مثل المساواة في الحرية وتكافؤ الفرصة لا تتفق مع مثل المساواة في الحال المعيشية أو في النتيجة (وهي البروكرستية الحقيقية)، يبدو أن هناك توترا معينا بين بعض القيم التي نصبو إليها ونود أن نحققها جميعا، بحيث إن الترتيبات الاجتماعية التي تدعم إحداها من شأنها بالضرورة أن تنال من الأخرى: ثمة توتر بين «العدل» و«الكفاية الاقتصادية»، وتوتر بين «المساواة» (في الحال) و«الحرية»! ويبقى أن نختار القيمة الأكثر أهمية للمجتمع والأولى من ثم بالتحقيق.

3

تقوم الفكرة الديمقراطية على أن الناس سواسية قانونيا وسياسيا، صحيح أنهم خلقوا غير سواسية في المواهب الطبيعية، إلا أن هذا التفاوت ليس حجة على المساواة وإنما هو حجة لها، فالمساواة أمام القانون ليست حقيقة موضوعية ولا قانونا طبيعيا، إنما هي مطلب سياسي قائم على قرار أخلاقي، ولا علاقة لها البتة بالنظرية القائلة بأن الناس ولدوا سواسية بالطبيعة، بل إن المساواة «في الفرصة» هي التي تضمن وترعى التفاوت العقلي بين بني البشر؛ لأن مساواة الفرصة تضمن للمواهب الفردية حق التميز والنمو، وتحمي أصحاب المواهب من أن ينالهم اضطهاد ممن يقلون عنهم موهبة.

المغالطات المنطقية: فصول في المنطق غير الصوري · الصفحة ٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المغالطات المنطقية: فصول في المنطق غير الصوريص ٨١