تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن اللغة لفي سيرورة دائمة وتحول دائب، وهناك ألف سبب يلح على الألفاظ أن تخرج من جلدها وتكتسي معاني جديدة غير ذات صلة بمعناها القديم، وما دامت اللغة في تغير مستمر فمن الطبيعي أن تواكبها في ذلك علوم اللغة المنوط بها رصد الظاهرة اللغوية وضبط حركتها، وأن يكون نهج العلوم توترا محسوبا بين «المعيارية» و«الوصفية»: معيارية تصون اللغة من التحلل والانهيار، ووصفية تفتح لها آفاقا للتطور والارتقاء.

الفصل السابع والعشرون

| الاحتكام إلى الجهل

| appeal to ignorance; ad ignoratiam

كان جحا غزير الشعر، فسأله أحد جلسائه مداعبا: كم عدد شعرات رأسك يا جحا؟ فأجابه جحا دون تردد: عددها واحد وخمسون ألفا وثلاثمائة وتسع وستون شعرة، فقال له جليسه متعجبا: وكيف عرفت ذلك؟ فأجابه جحا: إذا كنت لا تصدقني فقم أنت وعدها! ***

بديه أن جهل الجليس بعدد شعرات جحا، من جراء الاستحالة العملية لعدها، لا يقوم دليلا على أن عددها هو 51369 شعرة! إن جحا في هذا السياق «يقرر» أمرا و«يثبت» حكما، ومن ثم فإن «عبء البينة»

burden of proof

في ذلك يقع عليه، ومكمن الخطأ هنا هو أن جحا يريد أن يعفي نفسه من هذا العبء ويضعه على عاتق جليسه دون وجه حق، ويحمله على أن يؤدي له عمله نيابة عنه!

تفيد مغالطة «الاحتكام إلى الجهل»

ad ignoratiam

أن شيئا ما هو حق بالضرورة ما دام أحد لم يبرهن على أنه باطل، والعكس أيضا صحيح: أي أن شيئا ما هو باطل بالضرورة ما دام أحد لم يثبت بالدليل أنه حق، في كلا الحالين يؤخذ «غياب الدليل» مأخذ «الدليل»، ويتم التذرع بغياب المعلومات التي تثبت شيئا ما كدليل على بطلان ذلك الشيء، أو المحاجة بأنه ما دام الخصم لا يستطيع أن يدحض دعوى ما فإن هذه الدعوى هي إذن حق بالضرورة.

الجهل جهل، والجهل ليس دليلا على شيء إلا على أننا نجهل. (1) تحقيقات مكارثي: مغالطة أربكت أمة!

من يعتذر إنما يتهم نفسه.

مثل فرنسي

من أشهر الأمثلة على مغالطة

ad ignoratiam

تلك التحقيقات التي كان يقوم بها السيناتور جوزيف مكارثي

Joseph R. McCarthy

في أوائل الخمسينيات من القرن المنصرم: في سلسلة من جلسات الاستماع التليفزيونية وجه مكارثي تهمة الشيوعية إلى عدد كبير من الأشخاص الأبرياء، في مناخ ارتيابي يذكر بمطاردة الساحرات

witch hunt

في القرون الوسطى، لم تكن تلك الاتهامات قائمة على أساس ولا مستندة إلى دليل وإن كانت بالغة الضرر شديدة الإيذاء، كان مكارثي يظهر في تلك الجلسات حاملا حقيبة منتفخة بالملفات الخاصة بالمتهمين، غير أنه في معظم الحالات لم يكن يقدم بينة حقيقية، وكان الشخص يتهم على أساس أنه ليس في ملفات مكارثي ما يدحض ميوله الشيوعية! عن إحدى تلك الحالات يقول مكارثي في اجتماع مجلس الشيوخ عام 1950: «ليس لدي معلومات وفيرة في هذا الشأن عدا ما ورد في التقرير العام للوكالة من أنه لا يوجد في الملفات ما يثبت أنه غير متصل بجهات شيوعية.»

1

كان مكارثي في هذه الحالة متورطا في مغالطة

ad ignoratiam : لقد نقل «عبء البرهان»

burden of proof ، وبدلا من أن يبرهن على ادعائه بالدليل فإنه يؤسسه على عدم وجود أدلة تفند الادعاء، وهي مغالطة لأن مكارثي ينطلق في حجته من مقدمة تفيد غياب المعرفة (أي تفيد الجهل) إلى نتيجة إيجابية تفيد أنه بذلك قد «عرف»، أو «أثبت»، أن الشخص المعني مدان بالميول الشيوعية، إن التهمة التي يوجهها مكارثي هي تهمة خطيرة يتحتم أن تحمل عبء البينة وألا تلصق بشخص لمجرد أنه لا يملك أدلة تدحضها.

هب أن واحدا من ضحايا مكارثي أذعن للموقف الاتهامي وشرع يثبت براءته من الميول الشيوعية بشتى الوسائل، فجعل يفرد لنا جدوله اليومي، والجماعات التي يلتقي بها في تعاملاته المهنية، والأنشطة التي ينخرط فيها في إجازته الأسبوعية، والأماكن التي يتواجد بها في حله وترحاله، إنه لو فعل ذلك فإنه يفتح على نفسه طوفانا من المساءلات والاستجوابات من جانب مكارثي، ويستهدف لمزيد من الشبهات، ويظهر في النهاية بمظهر المذنب المريب!

المغالطات المنطقية: فصول في المنطق غير الصوري · الصفحة ٧٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المغالطات المنطقية: فصول في المنطق غير الصوريص ٧٦