تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يحذر واتلي

Whately

من هذه الاستراتيجية الموبقة في الجدل ويشبهها بتصرف الجيش الذي يحتل حصنا منيعا يستطيع الدفاع عنه كل الاستطاعة، فإذا به يبرز طواعية من حصنه ويتبعثر في ميدان مفتوح، فيأتيه أعداؤه من كل صوب ويمزقونه كل ممزق! كذلك الأمر في الجدل: فإذا فاتك لحظة أن تستمسك بخلو جانبك حين يكون على خصمك عبء البينة، ورحت بدلا من ذلك تنسج حججا إيجابية (قد تكون ضعيفة) لكي تبرئ ساحتك وتثبت براءتك، فإنك بذلك تسلم سلاحك الأقوى بلا داع وتستبدل به سلاحا أضعف، يقول المثل الفرنسي «من يعتذر إنما يتهم نفسه!»

qui s’excuse, s’accuse ، يعني ذلك أنك تولي ظهرك للواثبين وتتخذ مظهر المذنب تجاه الاتهامات الموجهة ضدك إذ تحمل نفسك عبء الدليل حيث كان واجبك الوحيد هو أن تتحدى خصمك أن يبرهن هو على اتهاماته لك برهانا ساطعا.

2

أمثلة أخرى (1)

ليس هناك دليل على أن الأشباح (العفاريت) غير موجودة؛

إذن الأشباح موجودة. (2)

أعتقد أن بعض الناس لديها قوى نفسية خارقة.

وما دليلك على ذلك؟

دليلي أنه لا أحد استطاع أن يثبت أن الناس لا تملك قوى نفسية خارقة.

لاحظ أننا لسنا بصدد نفي وجود الأشباح أو نفي وجود قوى خارقة، إنما ننفي أن تكون الحجة الواردة صائبة منطقيا، إن ما يميز هذا الصنف من الحالات هو أن من الصعب أن نعرف ماذا عساه أن يكون دليلا على مثل هذه الدعاوى أو دليلا ضدها، فها هنا مشكلة خاصة بقابلية التحقق

verifiability : لأنه لا يوجد ثمة، فيما يبدو، أي ملاحظة إمبيريقية قابلة للتكرار بحيث تفي بمعايير البينة العلمية في مثل هذه الحالات، تنطوي أمثلة الأشباح والقوى الخارقة إذن على عدة أخطاء منطقية، غير أن أبرز أخطائها هو «الاحتكام إلى الجهل» (التذرع بالجهل)

ad ignoratiam ، إنها حجج لا تقدم دليلا حقيقيا، بل تستغل غياب أدلة مضادة لكي تقفز إلى نتيجة «عريضة» لا تقوم على ذلك الصنف من البينة الذي يتوجب التماسه لكي تحظى مثل هذه النتيجة بالقبول. (2) متى تكون الحجة المستفادة من الجهل غير مغالطة؟ (1)

يبدو أن هناك أحوالا كثيرة يكون فيها «الاحتكام إلى الجهل»

ad ignoratiam

مقبولا تماما كموجه للفعل الحصيف، مثال ذلك اتباع مبدأ السلامة في تناول الأسلحة: فإذا كنت «لا تعرف» (تجهل) ما إذا كان السلاح ملقما بالذخيرة أم لا فإن عليك أن تتعامل معه على أنه ملقم، وأن تفتح خزانته قبل أن تلوح به، لكي تستوثق من أنه غير ملقم.

3 (2)

في كثير من الأحوال يكون من المقبول عمليا أن ننتقل من واقعة أن شيئا معينا لم يتم العثور عليه إلى استنتاج أن هذا الشيء لا وجود له، شريطة أن يكون البحث جادا وقمينا في حسابنا باكتشاف الشيء: من ذلك أن الأدوية الجديدة يتم اختبارها على الحيوانات، كالقوارض، للتثبت من أنها مأمونة غير سامة، هنا يؤخذ غياب الدليل (على سمية الدواء) مأخذ الدليل (على أنه مأمون للإنسان)، ونحن في مثل هذا السياق لا نستند إلى «الجهل» بل إلى «المعرفة» (معرفتنا بأنه لو كان للنتيجة التي تهمنا أن تنجم لنجمت في حالة ما من حالات الاختبار، وهو ما لم يحدث)،

4

كذلك في موقف اتهام شخص أو دولة بإحراز شيء محظور فإن إرسال مفتشين مؤهلين للبحث عن ذلك الشيء، والذي نفترض أنه قابل للكشف ومستحيل إخفاؤه عادة، وحقيقة أنهم فشلوا في العثور عليه بعد فترة كافية، ليمثل دليلا معقولا على عدم وجود ذلك الشيء. (3)

في مجال التاريخ يسمى هذا الصنف من الحجة

ex silentio (بحكم الصمت)، مثال ذلك أن نقول إنه لم يكن من عادة الرومان أن يقلدوا الأوسمة شخصا بعد وفاته، وذلك بناء على «الدليل السلبي» بخصوص هذه الأوسمة، فالكتابات المدونة وشواهد القبور لم تسجل قط تقليد أية أوسمة لجنود ماتوا في الحرب، بينما تسجل حالات كثيرة لجنود تقلدوا الأوسمة أحياء بعد الحرب، هكذا يمكننا أن نحاج على أساس سلبي بأنه لو كان مثل ذلك التقليد موجودا لتبدى لنا بشكل أو بآخر في الشواهد القائمة، وحيث إنه لا يوجد أي شاهد على ذلك فإن بإمكاننا، بواسطة حجة الصمت

المغالطات المنطقية: فصول في المنطق غير الصوري · الصفحة ٧٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المغالطات المنطقية: فصول في المنطق غير الصوريص ٧٧