9 (2) ليونارد بلومفيلد: بؤس الإتيمولوجيا
في كتابه «اللغة» يعرض ليونارد بلومفيلد لمنهج التأثيل، ويكشف لنا بؤس الإتيمولوجيا، ويبين أن منهج الحفر التاريخي في اللغة لا يفضي إلى شيء، يقول بلومفيلد: خذ مثلا كلمة
blackbird (الشحرور) وتتكون من
black
و
bird ، وتطلق على نوع من الطير، وهذا النوع من الطير إنما سمي بهذا الاسم بسبب لونه الأسود، وهذه حقا تسمية صادقة تصدق على هذه الطيور: فهي طيور، وهي سوداء ... وجريا على هذا المنطق، أكان من الممكن أن يستنتج علماء اليونان أن ثمة صلة باطنة عميقة بين ال
gooseberry (عنب الثعلب) وال
goose (الإوز)! ... إن التحليل في جميع اللغات لا يسمح بذلك ولا يجود به، ولنا في اليونانية والإنجليزية أمثلة كثيرة من الكلمات التي تستعصي على هذا النوع من التحليل الذي يتصوره التأثيليون: كلمة
early
أي مبكرا، تنتهي بمثل ما تنتهي به كلمة
manly
بمعنى رجولي، فاللاحقة
ly
مضافة إلى
man (رجل)، ولكن إذا جردنا الكلمة الأولى من اللاحقة
ly
فماذا يتبقى؟ يتبقى
ear (أذن)، فهل تعطي فائدة؟ إنها بقية غامضة لا تفيد ... وكذلك كلمة مثل
woman (امرأة): إنها تلتقي مع كلمة مثل
man (رجل)، ولكن ما دور المقطع
wo
في هذا؟ إن هذا المقطع هو الذي يفصل بين دلالة هذه الكلمة ودلالة الكلمة الأخرى من الناحية الشكلية الصوتية، ولكن ما قيمة هذا المقطع الأول
wo
في التحليل الاشتقاقي، إنه لا دور له، ولا دلالة له كذلك ... وعلى هذا النحو تواجهنا صعوبات في تحليل الكلمات القصيرة أو البسيطة، التي هي أقل من السابقة، فكلمات مثل
man, boy, good, bad, eat, run ... وغيرها كثير، لا يعين فيها التحليل الإتيمولوجي (التأثيلي/الاشتقاقي) على كشف صلة بين الكلمة وما تشير إليه ... ولكن علماء اليونان، ومثلهم تلامذتهم من علماء الرومان كانوا في مثل هذه الحالات يلجئون إلى الحدس والتخمين ... إن صيغ الكلام تتغير وإنها قابلة للتغير لأنها ثابتة على حين أن المسميات لا تتغير، وكذلك المعاني ثابتة لا تتغير ... أي أنه لا توجد علاقة طبيعية ضرورية، أو منطقية عقلية، بين الاسم والمسمى أو بين الدال والمدلول ... وصفوة القول عند بلومفيلد أن التحليل التأثيلي لا يؤدي إلى شيء، وأنه لا طائل من ورائه ... وإنما هو دليل على أنه لا توجد علاقة ولا رابطة عقلية ضرورية بين الاسم والمسمى.
10 (3) ابتذال المصطلح العلمي
تبلغ المغالطة التأثيلية مداها، وتصبح مسخا كاريكاتوريا، حين تعمل أدواتها التاريخية في المصطلح العلمي أو التكنيكي حيث الطابع الاصطلاحي المطلق للعلامة، وتحاول أن تفهم المصطلح الفني المتخصص بمعناه اللغوي الدارج! وهو ما يمكن أن نطلق عليه «ابتذال المصطلح»
vernacularization ،
11
إن اللفظ اللغوي العادي حين يوضع بين هلالين ويتحول إلى مصطلح علمي فإنه يفارق داره وينسى ماضيه، ويكتسي معنى جديدا قد لا يكون له بمعناه اللغوي الدارج أي علاقة، وبالتالي فليس يجدي نفعا تنقيبنا عن أصله وفصله ولا يقربنا إلى فهم المصطلح في وضعه الجديد، يقول جاستون باشلار في كتابه «المادية والعقلانية»: «إن اللفظ عندما يوضع بين مزدوجتين فهو يبرز وتحتد نغمته، إنه يأخذ فوق اللغة العادية نغمة علمية، ما إن يوضع لفظ من ألفاظ اللغة العادية بين مزدوجتين حتى يكشف عن تغير في منهج معرفة تتعلق بميدان جديد للتجربة، وبإمكاننا أن نذهب حتى القول من وجهة نظر الباحث الإبستمولوجي إن هذا اللفظ علامة على قطيعة وانفصال في المعنى، وإصلاح للمعرفة.»
12 •••
وبعد، فحين يحاج المرء بأن دعواه صائبة لا لشيء إلا لأن الأصل اللغوي نفسه للكلمة يفيد ذلك، فإنه يقع في ضرب من الاستدلال الدائري، وفضلا عن ذلك فإن افتراض أن الكلمات يجب أن تبقى لصيقة بمعناها التاريخي الأول هو افتراض ينطوي على إغفال عبثي للطبيعة الاصطلاحية للغة وتقييد لا مبرر له لنموها وتطورها.