تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعلم آدم الأسماء كلها ، أما ابن جني فيئول الآية بأن المقصود بكلمة «علم» هو «أقدر» أي أن الله أعطى آدم القدرة على الكلام والتسمية وترك له الوضع والاصطلاح بالنسبة للتفاصيل.

5

في محاورة «كراتيلوس» عرض أفلاطون منطق التأثيليين عرضا مسهبا، وبين أنهم يعتقدون بوجود علاقة طبيعية (غير اصطلاحية) وضرورية بين الدال والمدلول، وأنهم بالتنقيب في الماضي عن أصل الكلمة، والكشف عن معناها الحقيقي إنما يصلون إلى حقيقة من حقائق الطبيعة، أو يميطون اللثام عن «ماهية» الشيء الذي تدل عليه الكلمة!

وشبيه بهذا ما يفعله بعض الباحثين عندما يفسرون المعنى الاصطلاحي لمفهوم ما بمعناه اللغوي، مع احتمال ألا يكون المعنى الاصطلاحي مرتبطا بالمعنى اللغوي ارتباطا وثيقا، وقد سبق لابن تيمية وابن قيم الجوزية أن اعترضا على استخدام أنصار المجاز للمنهج التاريخي في التمييز بين الحقيقة والمجاز رغم صعوبة التثبت من أصل اللفظ، وعدم وجود ما يفيد تاريخيا بسبق أحدهما على الآخر.

6

والحق أن التأثيل منهج مستخدم اعتمد عليه الكثير من اللغويين اعتمادا كبيرا، وبخاصة في القرن التاسع عشر، حيث أقيم على أسس أمتن مما كان عليه قبل ذلك، وما زال مستخدما حتى الآن، ويعد فرعا معتبرا من اللسانيات التاريخية (الدياكرونية)، وله دعائم منهجية خاصة تتوقف على كمية الشواهد المؤيدة ونوعها، إلا أنه بات واضحا للتأثيليين في القرن التاسع عشر، وسلم به اللسانيون عامة في الوقت الحاضر، أن معظم كلمات المعجم في أي لغة لا يمكن أن تعزى إلى أصولها، وقد انتكس المنهج التاريخي بعد دعوة دي سوسير إلى الفصل بين الدراسات التزامنية (السينكرونية) والدراسات التاريخية (التعاقبية/الدياكرونية)، وكرس مبدأ «اعتباطية العلامة اللغوية»

arbitrariness of the sign

على نحو نهائي حاسم، ومنح الصدارة للسينكروني على الدياكروني، ولفت الانتباه إلى أهمية الدراسة الوصفية التي تقتصر على النظر إلى «حالات» اللغة، وضرورة استبعاد العامل التاريخي عند دراسة «حالة» من حالات اللغة، فاللغة عند سوسير هي مجرد نسق أو نظام وتؤدي وظيفتها باعتبارها «بنية» لا تنطوي في ذاتها على أي بعد تاريخي، من ذلك أن تاريخ كلمة ما كثيرا ما يكون بعيدا كل البعد عن أن يفيدنا في فهم المعنى الراهن لهذه الكلمة. (1) اعتباطية العلامة اللغوية

يقول سوسير: إن العلاقة التي تربط «الدال»

signifier

ب «المدلول»

signified

علاقة اعتباطية، ولما كنت أعني بالعلامة اللغوية النتيجة الإجمالية للربط بين الدال والمدلول، فإن بوسعي القول بإيجاز وبساطة: العلامة اللغوية علامة اعتباطية، ففكرة «الأخت»

sister

لا ترتبط بأية علاقة داخلية مع السلسلة المتتابعة من الأصوات

s-o-r

التي تستعمل كدال بالنسبة لهذه الفكرة في اللغة الفرنسية، إذ يمكن تمثيل هذه الفكرة باستخدام أي سلسلة أخرى من الأصوات، وأكبر دليل على ذلك هو الفروق القائمة بين اللغات، بل وجود لغات مختلفة: فللمدلول «ثور» الدال

b-o-f

على طرف من الحدود (الفرنسية-الألمانية)، و (ochs) o-k-s

على الطرف الآخر،

7

لقد استخدم لفظ «رمز»

symbol

للدلالة على العلامة اللغوية، أو على وجه الدقة للدلالة على ما نسميه «الدال»، ولكن هناك بعض المصاعب التي تمنعنا من اتخاذه؛ وذلك بسبب مبدئنا الأول نفسه، فللرمز خاصية أنه لا يدرك دوما اعتباطيا، فهو ليس فارغا، بل فيه بقية من رابطة «طبيعية» بين الدال والمدلول، فرمز العدالة مثلا، أي الميزان، لا يمكن أن يستبدل به أي شيء آخر: دبابة مثلا أو عربة!

8

يستدعي لفظ «اعتباطية» الملاحظة التالية: فهذه الكلمة لا ينبغي أن تعطي انطباعا بأن أمر اختيار الدال متروك تماما للمتكلم (وسنرى أنه ليس بمكنة أي أحد أن يغير شيئا من علامة لغوية استتبت في مجتمع لغوي ما) إنما أعني بالاعتباطية أن العلامة اللغوية ليس لها من سبب؛ أي أن العلاقة بين الدال والمدلول بها لا تقوم على أية رابطة طبيعية.

المغالطات المنطقية: فصول في المنطق غير الصوري · الصفحة ٧٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المغالطات المنطقية: فصول في المنطق غير الصوريص ٧٤