education (تعليم) مشتقة من الكلمة اللاتينية
educere
التي تعني يغريه بالكلام بحرية، وقد تفيد معنى الملاطفة والاجتذاب كمقابل للقسر والإرغام. (4)
يعني ذلك إذن أن كلمة
prevent (يمنع) كان ينبغي لها أن تعني «يسبق» أو «يستبق» لأنها مشتقة من الكلمة اللاتينية
prae
وتعني «قبل»، وكلمة
venire
وتعني «يذهب»! (5)
أو أن كلمة
nice
كان ينبغي أن تكون لفظة ازدراء وقدح؛ لأنها مشتقة من كلمة فرنسية قديمة تعود إلى القرن الثالث عشر وتعني «أحمق» أو «غبي»!
إنما يعول مستخدمو اللغة على السياق لاستشفاف المعنى المقصود للكلمة،
2
ولا يفكرون كثيرا في «التأثيل»
etymology ؛ أي رد الكلمة إلى أصلها التاريخي، والذي قد لا يكون واضحا على الإطلاق وبخاصة إذا كان مؤسسا على لغة أجنبية أو لغة قديمة بائدة.
تتناسى مغالطة التأثيل أن اللغة ليست كيانا كلسيا ثابتا، وأن هناك تغيرات كثيرة تعتري اللغة، منها التغير الصوتي، والتغير النحوي، والتغير الدلالي (وهو ما يعنينا في هذا المقام)، وللتغير الدلالي
semantic change
أنواع عديدة منها ما يعرف ب «الانحدار الدلالي»
semantic deterioration
وهو تغير يلحق بمعنى اللفظة فيكسبها دلالة سلبية، مثال ذلك ما حدث لكلمة
notorious
التي كانت في الأصل تعني «مشهور» ثم انحدرت دلالتها وصارت تعني «مشهر» أي مشهور بشيء قبيح، وكلمة
dogmatic
التي كانت تعني «موقن» أو «راسخ الاعتقاد» وصارت الآن تعني «جازم متصلب غير عقلاني في اعتقاده»، وتقابل ظاهرة الانحدار الدلالي ظاهرة «التحسن الدلالي»
amelioration
حيث تكتسب اللفظة دلالة إيجابية أو يزايلها ما كان لها في الأصل من دلالة سلبية، مثال ذلك كلمة
minister (وزير) فقد كانت قديما تعني «خادم» (وما تزال تستعمل كفعل بمعنى يسعف أو يعين أو يقدم خدمة)، وكلمة
nice
سالفة الذكر، والتي كانت تعني قديما «غبي» أو «أحمق»، وهناك أمثلة أخرى يخطئها الحصر.
تعود تسمية هذه المغالطة (
etymological fallacy ) إلى جون ليونز
John Lyons ، ويعني بها خطأ التأثيليين حين يحاجون بأن كلمة ما تعود إلى أصل يوناني أو لاتيني أو عربي ... إلخ؛ ولذا فإن معناها ينبغي أن يكون مطابقا لما كانت عليه في الأصل، ويبدو زيف هذه الحجة في أن الافتراض الضمني بوجود «صلة حقيقية» أو «مناسبة» في الأصل بين المبنى والمعنى، وهو ما تستند إليه هذه الحجة، هو شيء لا يمكن التحقق منه.
3
لقد كانت المسألة الهامة التي أثارها الإغريق، والتي تركت بصماتها على الدراسات اللغوية اللاحقة حتى عصرنا الحاضر، تتعلق بطبيعة اللغة ونشأتها، فقد رأى بعضهم أن اللغة ظاهرة طبيعية، وأن الكلمات وأصواتها جزء لا يتجزأ من المعنى، بينما رأى الفريق الآخر، ومنهم أرسطو، أن اللغة ظاهرة اجتماعية وأن أصواتها رموز اصطلاحية ليس لها بالمعاني علاقة طبيعية أو مباشرة، وقد نشأت عن هذا الاختلاف النظريتان المعروفتان: النظرية التوقيفية والنظرية الاصطلاحية (أو التواضعية)، واللتان امتد الجدل فيهما حتى العصر الحاضر، وقد نشأ عن النظرية الأولى نظريات متعددة عن أصل اللغات جميعا منها: أن اللغة «توقيف» ووحي من الله، ومنها أن أصل اللغات جميعا يرجع إلى محاكاة أصوات الطبيعة أو أصوات الحيوانات إلى آخره، ووصل الأمر بالبعض إلى أن يقول إن للصوت بحد ذاته قيمة تعبيرية.
4
وقد تأثر العرب بكلتا المدرستين، واتخذ بعضهم، مثل ابن فارس في القرن الرابع الهجري، موقف المدافع عن النظرية التوقيفية، واتخذ آخرون، مثل ابن جني (في بعض فقرات «الخصائص» دون بعضها الآخر)، النظرية الاصطلاحية، يقول ابن جني «إن أكثر أهل النظر على أن أصل اللغة إنما هو تواضع واصطلاح، لا وحي وتوقيف.» كان ابن فارس يستشهد في نظريته التوقيفية بالآية الكريمة