كن على استعداد، من حيث المبدأ، للتخلي عن رأيك إذا ما تبين خطؤه، اسأل سؤالا حقيقيا، سؤال من يبحث عن الحق لا عن مجرد تبرير لما يعتقده سلفا.
تعلم كيف تسل الافتراضات التي تتبطن الرأي، وتضعها تحت أضواء النقد، ليكن ولعك بالأسس، وانتحاؤك إلى الأسس.
لا تسقط رغباتك على الأشياء ولا تجعل من أمانيك معيارا للحق، فأكبر الظن أن العالم لم يخلق من أجلها ولم يفصل على مقاسها. «خذ» البلاغة، ولا «تؤخذ» بها، وفرق دائما بين الخطابة والبرهان، ولا يخلبك زخرف القول عن جوهر الحجة، ولا تقف عند التشبيه البليغ وتظنه المحطة النهائية وتأخذه مأخذ الدليل.
لا تجعل من درجة حرارة الاعتقاد معيارا لصوابه، فكثيرا ما تتناسب قوة هذا الانفعال عكسيا مع قوة البينة، بحيث يمكننا تعريف «التحيز اللامعقول» بأنه «ما يجلب الغضب عند مساءلته»، ويمكننا أن نحدد مكمن تحيزاتنا بأن نلاحظ متى أخرجتنا الآراء الأخرى عن طورنا وأثارت غضبنا!
ومهما بلغ نضجك في التفكير النقدي ستظل بحاجة أبدا إلى تحصيل العلم واكتساب المادة المعرفية التي تعمل فيها فكرك النقدي، ولا يغب عن بالك قول رسل «المنطق والرياضيات هما أبجدية كتاب الطبيعة، وليسا الكتاب نفسه!»
وأخيرا، تعود صحبة السر، وتذوق لذة التساؤل.
الأجوبة تثقلك وتطفئك وتجمدك،
وحدها الأسئلة ما يشوقك ويهزك ويحدوك،
وربما اقتضى المرء عمره كله كي يعرف أن هذا الشوق وهذا الولوع هو الغاية القصوى والثروة النهائية.
عادل مصطفى
Philoadel@yahoo.com
الفصل الأول
| المصادرة على المطلوب
| begging the question; petitio principii
وفسر الماء بعد الجهد بالماء. ***
المصادرة على المطلوب هي التسليم بالمسألة المطلوب البرهنة عليها من أجل البرهنة عليها! وذلك بأن تفترض صحة القضية التي تريد البرهنة عليها وتضعها بشكل صريح أو ضمني في إحدى مقدمات الاستدلال، وأنت بذلك تجعل النتيجة مقدمة وتجعل المشكلة حلا وتجعل الدعوى دليلا! وهو ضرب من الحجة الدائرية
arguing in a circle ، والاستدلال الدائري ليس مغالطا في صميمه، ولكنه يغدو كذلك حيثما استخدم لكي يموه على فشل في حمل عبء البرهان، وتنجم المشكلة حيثما كانت النتيجة المراد إثباتها مفترضة أصلا داخل المقدمات التي يتعين على الخصم أن يسلم بها ويبدأ منها.
1
ذلك أن الأصل في البرهان أن يكون أوضح وأوثق معرفة مما يراد البرهنة عليه، ومن البديهي أننا حين نختلف حول شيء فإننا نلجأ إلى شيء آخر لا نختلف حوله، ونحاول أن نستدل منه على ذلك الشيء الخلافي، ولكي تكون للحجة قوة إبستمولوجية أو ديالكتيكية يتوجب أن تبدأ من مقدمات معروفة ومقبولة أصلا لدى الحضور، ثم نتقدم منها لكي نستخلص النتيجة غير المعروفة أو غير المقبولة، أما أن «نصادر على المطلوب» ونستند إلى ذات النتيجة الخلافية وقد تنكرت كمقدمة، وأما أن ندور في حلقة مفرغة ونحاول أن نخلص إلى نتيجة تستند إلى مقدمات ملقمة بها أصلا (أي تستند إلى ذاتها!) فهذا فكر عبثي فارغ لا يمكن أن يفضي إلى أي تقدم في المعرفة البشرية.
تتلون المصادرة على المطلوب بألوان كثيرة، وتتخذ أشكالا متعددة، وتجيد التخفي أحيانا في هيئة يتعذر كشفها إلا على المنطقي الخبير.
من أبسط صور المصادرة على المطلوب وأكثرها شيوعا أن تجعل المقدمة صيغة أخرى من النتيجة المراد البرهنة عليها، مثال ذلك:
تستلزم العدالة أجورا مرتفعة؛ وذلك لأن من الحق والصواب أن يكون الناس أقدر على الكسب الوفير. (وهي لا تعدو أن تقول إن العدالة تتطلب زيادة الأجور لأن العدالة تتطلب زيادة الأجور!)
يجب إلغاء المواد غير المفيدة كاللغة الإنجليزية من مقررات الكلية؛ وذلك لأن إنفاق اعتمادات لمادة غير مفيدة للطالب هو شيء لا يقره أحد. (نحن أيضا لا نوافق على تبديد أموال في تدريس مواد غير مفيدة، غير أن الحجة هنا لم تثبت لنا أن الإنجليزية مادة غير مفيدة، وهو لب المسألة، وكل ما فعلته هو أن «صادرت على المطلوب» وكررت النتيجة في المقدمات، دون التفات إلى المقدمة المحذوفة في هذا «القياس المضمر»