يتألف التفكير النقدي من ثلاث مراحل: (1) الوعي بوجود افتراضات
assumptions
7
أساسية. (2) التصريح بهذه الافتراضات وإخراجها إلى واضحة النهار. (3) تسليط أضواء النقد على هذه الافتراضات: هل هي ذات معنى؟ هل تنسجم مع الواقع كما نفهمه ونعيشه؟ متى تصح هذه الافتراضات ومتى تبطل؟
في غياب التفكير النقدي نكون رهائن للمؤثرات المحيطة: فلا يسعنا إلا أن نكرر، تكرارا أعمى، تلك الاستجابات التي تعلمناها من قبل، ولا يسعنا إلا أن نقبل، قبولا أعمى، كل ما يقال لنا في أبواق الدعاية السياسية والتجارية، وفي الصحافة والكتب، وكل رأي يصدر عن «سلطة».
إن التفكير النقدي والعلمي ليس شيئا فطريا نأتيه بالطبيعة ونعرفه بالسليقة، وإنما هو عمل حرفي يتطلب حذقا ومهارة، ليس من الصحيح أن لدينا قدرة طبيعية على التفكير الواضح والنقدي بغير تعلم وبغير ممارسة، ولا ينبغي أن نتوقع من غير المدرب أن يفكر تفكيرا واضحا أكثر مما نتوقع من غير المدرب أن يجيد لعب التنس أو الجولف أو العزف على البيانو.
ذلك أننا إذ نمارس التفكير العلمي والنقدي إنما نمضي ضد مقاومة شديدة ونسبح ضد تيار عارم من التحيزات المتأصلة والأوهام الجبلية، ونتجشم اجتياز العديد من العوائق «الطبيعية» التي تحول بيننا وبين التفكير الواضح: فنحن بطبيعتنا لا نتحمل الغموض ولا نطيق معايشة السر! وإن بنا نزوعا طبيعيا إلى طلب اليقين حيث لا يقين، والتماس الإجابات البسيطة عن الأسئلة المعقدة، وشغفا بالدعاوى العريضة و«نظريات كل شيء» محمولة على ظهر بينة ضامرة هزيلة، وميلا إلى الأخذ بالفرضيات التي ترضي رغائبنا وتدغدغ أمانينا، والالتفات إلى أضغاث من الأمثلة التي تؤيد فرضيتنا وغض الطرف عن تلال من الأمثلة المفندة، وإلى تذكر الرميات الصائبة وتناسي الرميات الخائبة، وإلى أخذ الاستعارات التوضيحية والتشبيهات المقربة مأخذ الدليل، وإلى الانضواء مع القطيع والتلفع بالرايات والانضمام إلى «الزفة»، وإلى قتل الرسل بدلا من تفنيد الرسالة، وإلى التخلص من عبء البرهان وإلقائه على عاتق الخصم، وإلى الاستدلالات الدائرية وتحصيلات الحاصل، وإلى التعويل الزائد على السلطة والانبهار الزائد بالمشاهير، وإلى التعميم الكاسح المتسرع، وإلى تحويل التعاقب أو الاقتران إلى علية، ... إلى آخر تلك الأغاليط التي نغرق فيها إلى الأذقان، والتي يتناولها هذا الكتاب بالتحليل والدرس.
يمضي التفكير النقدي ضد هذه المقاومات الشرسة، فيحتاج إلى طاقة نفسية كبيرة، غير مقصورة على الذكاء الذهني المحض ... يحتاج إلى شيء من «الذكاء الانفعالي»
emotional intelligence : إلى التسامح، والتعاطف، و«المواجدة»
empathy
أي قدرة المرء على أن يضع نفسه موضع الآخر، ويرى الأمور من وجهة نظر الآخر، ويتخذ الإطار المرجعي للآخر، القدرة على اكتشاف «ماذا يشبه أن يكون»
what it is like
أن يعتقد المرء تلك الأفكار التي يضعها موضع التساؤل
8
قبل أن يهم بتقويضها.
إنها رحلة طويلة شاقة، ليس لها خرائط محددة، غير أننا لا نعدم بعض المبادئ المرشدة:
فكر بنفسك لنفسك؛ ذلك لأن التقدم في التفكير النقدي لا يتم إلا كرحلة فردية وكدح شخصي، صحيح أن هناك سبلا كثيرة يمكن أن تجعل من الفلسفة جهدا مشتركا ومهمة جماعية، شأنها في ذلك شأن العلم، إلا أن على كل شخص في النهاية أن يفكر لنفسه، وألا يكل إلى غيره أن يفهم نيابة عنه («افهم لي ذلك من فضلك» هو نموذج لطلب مستحيل!)
9
اكتسب القدرة على الانفصال عن رأيك، و«موضعته»، ووضعه على محك التحليل والنقد، مثلما تفعل مع آراء الغير.
لا تصدق كل ما تسمع، ونصف ما ترى ! ولا تبخل بجهد من أجل الخروج من «مركزية العرق»
ethnocentrism ... من كهف الآراء الشائعة في عرف جماعتنا الإثنية، والتمييز بين حقائق العالم وبين مجرد المسايرة لما تصادف أن يكون هو رأي الأسلاف أو اتفق أن يكون هو الرأي السائد في مسقط رأسنا وزمان وجودنا.