تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

غير أن الناس - الخصم الفكري أو السياسي، والقضاة، وجمهور الحاضرين - ليسوا جميعا مناطقة ملمين بفقه المغالطات وسبل كشفها وإقصائها؛ ومن ثم فإن عليك أن تتقن فن التعامل مع المغالطات وكشفها وإقصائها؛ حتى لا تفشل حملتك وتأتي بعكس المرجو منها وتجعلك غرضا للتهكم والسخرية، عليك باختصار أن تجعل ردك جزءا من مساق الحديث، غير ناشز أو مستغرب، عليك أن تسمي المغالطة باسمها، بالعربية واللاتينية إن استطعت، وأن تبادر بتبيان ما تعنيه المغالطة، ولماذا هي مغالطة، وأن تفعل ذلك بليونة وخفة وإيجاز، دون أن تعلوك سيماء التعالم والتكلف والحذلقة، عليك أن تذكر اسم المغالطة وفحواها كما لو كنت تعيد على مسامع القاضي الذكي شيئا بسيطا يعرفه من الأصل، ثم تثني بمثال بالغ الوضوح يزيد مقصدك جلاء وسطوعا، ثم تختم حجتك وكأنك تداوي خصمك وتفتح له طريقا آخر للجدل غير مغالطته البائدة، قل شيئا كهذا: «إن توجهك يا سيدي يتكئ بشدة على التأييد الشعبي وعلى فوزه الساحق في الاستفتاء الأخير، لقد صوت أغلب الناس لهذا التوجه، نعم وهذا حقهم في بلد ديمقراطي يتولى فيه الشعب حكم نفسه وعلى مسئوليته، غير أنه لا يجعل من الرأي السائد حقا بالضرورة، إنه خطأ.. «الاحتكام إلى عامة الناس»

ad populum

كما تعلمون إن عدد الأصوات المؤيدة ليس معيارا للحق ولا يجعل الرأي حقا بالضرورة، فالحق والباطل لهما معايير أخرى تعرفونها، لقد قفز هتلر إلى السلطة من صناديق الاقتراع، وقاد ألمانيا إلى الهاوية بتأييد شعبي عارم، لقد حظي الرق يوما ما بتأييد الأغلبية في بعض الولايات الأمريكية، لقد كانت الأرض ذات يوم هي مركز الكون في اعتقاد الجميع عدا جاليليو، دعنا إذن من هذه الحجة المغالطة، ولننصرف الآن عن التفكير بصندوق الاقتراع إلى التفكير بالعقل، يبقى أن حجتك الأكثر وجاهة وسدادا هي ...» (5) التفكير النقدي مرحلة متقدمة من النمو المعرفي

يقسم جان بياجيه مراحل النمو المعرفي للإنسان إلى أربع مراحل، يعدها بيولوجية عمومية تشمل أفراد البشر جميعا: الأولى: هي المرحلة الحسية الحركية

sensorimotor «من الولادة إلى سن سنتين» حيث لا توجد بناءات ذهنية (مخططات)، وحيث يسعى الرضيع إلى تكوين هذه البناءات من خلال استكشاف البيئة. والمرحلة الثانية: هي مرحلة ما قبل العمليات

pre-operational «من سن سنتين إلى سبع»، وفيها يكتسب الطفل اللغة، ويكون بناءات ذهنية أكثر تعقيدا، وإن تكن قبل-منطقية

pre-logical ، فما يزال غير قادر على أن يفهم أن جوهر الشيء لا يتغير، وإن تغير شكله وهيئته، ولا يزال غير قادر على «فض المركزية»

decentering

أي الانفصال عن ذاته ورؤية الأشياء من منظور مختلف. والمرحلة الثالثة: هي مرحلة تفكير العمليات العيانية

concrete operational «من سن سبع سنوات وحتى المراهقة »، وفيها يتفهم ثبات الجوهر، ويتخذ منظورات مغايرة، ويبدأ في التساؤل عن الحياة ويحل المشكلات ولكن بشكل عشوائي، إنها عمليات منطقية ولكنها ما تزال لصيقة بالعالم المادي العياني والأفعال المادية العيانية. والمرحلة الرابعة: هي مرحلة العمليات الصورية

Formal operational ، وفيها تواتيه القدرة على التفكير المنطقي المعقد، والتفكير التجريدي غير المرتبط بالأشياء والأحداث المادية، والتفكير الافتراضي، والحل المنطقي للمشكلات.

يقترح بعض المنظرين إضافة مرحلة خامسة أرقى من هذه المراحل الأربع، هي مرحلة التفكير الجدلي

Dialectical thinking ، وهي مرحلة بعد - منطقية، إن صح التعبير، وفيها يكتسب المرء التفكير النقدي، ويدرك مفارقات الحياة، ويتناول الأسس التحتية التي يقوم عليها المنطق ويحللها ويضعها موضع التساؤل والنقد، وهي مرحلة غير عمومية وغير بيولوجية ولا يبلغها المرء إلا بالتعلم والتدريب والممارسة.

المغالطات المنطقية: فصول في المنطق غير الصوري · الصفحة ٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المغالطات المنطقية: فصول في المنطق غير الصوريص ٥