تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

انظر أيضا إلى المثال التالي: فهذا سياسي يرى أن إلغاء الضرائب المحلية سوف يؤدي إلى انخفاض معدلات الجريمة؛ ومن ثم فقد طلب من الباحثين لديه أن يجمعوا أمثلة لحالات ألغيت فيها الضرائب المحلية ثم انخفضت معدلات الجرائم، وجد الباحثون أن هناك مائة من هذه الأمثلة، إذاك خلص السياسي إلى أنه محق في افتراض أنه بخفض الضرائب المحلية يمكنه أن يقلص الجريمة.

لقد أراد السياسي أن «يؤيد» فرضيته فحسب، لا أن «يفندها»، وربما يكون بذلك قد ضل السبيل، ولعل باحثيه لو جدوا في الطلب لأتوا له بمائتي حالة ارتفعت فيها الجريمة بعد إلغاء الضرائب المحلية!

في مجال الاستدلال الإحصائي يعد انحياز «التأييد»

confirmation (أو «التحقيق»

verification ) ضربا من الانحياز المعرفي تجاه تأييد الفرضية محل الدراسة، ومن أجل معادلة هذا الميل البشري الملاحظ يتم تشييد المنهج العلمي بطريقة تلزمنا بأن نحاول تفنيد

disconfirmation (أو تكذيب

falsification ) فرضياتنا.

وفي مجال السيكولوجيا يعرف انحياز التأييد بأنه ظاهرة تتميز بميل صانعي القرار إلى ملاحظة الأدلة المؤيدة لدعاواهم والاحتفاء بها والتماسها بهمة، بينما يميلون إلى تجاهل الأدلة التي قد تنال من الدعاوى، وإلى التقاعس عن طلبها والبحث عنها، وهي بهذا المعنى تعد صورة من صور «الانحياز الانتقائي»

selection bias

في جمع الأدلة.

يذهب البعض إلى أن انحياز التأييد قد يكون هو السبب من وراء الاعتقادات الاجتماعية «المخلدة لذاتها » و«المحققة لذاتها»، وقد يكون سبب هذا الانحياز هو أن الذهن البشري بحكم تكوينه يجد صعوبة في «معالجة»

processing

الإشارات السالبة أكثر مما يجده في معالجة الإشارات الموجبة.

وتشير الدراسات الحديثة رغم ذلك إلى أنه بينما تسود مغالطة التأييد كحالة مبدئية، فإن تكرار ورود البيانات المفندة يحدث تحولات في التفكير النظري، فالمسلك العام لدى الباحثين هو استبعاد البيانات المفندة في البداية باعتبارها نتاج زلل أو سهو أو عوامل دخيلة، غير أن تكرار البيانات المفندة وتراكمها وإلحاحها في الظهور يحدث تغيرا في استراتيجيات الاستدلال السببي.

3 (1) كارل بوبر: مذهب التكذيب

falsificationism «كان بوبر مناوئا لفكرة أن المعرفة العلمية تتراكم عن طريقة تأييد الفرضيات أو تحقيقها، وفي تصور شديد الاختلاف والجدة لدينامية العلم ذهب بوبر إلى أن الفرضيات لا تكون جديرة حقا بالقبول ما لم تكن قابلة للتكذيب، كانت فكرته مدمرة وبسيطة: من السهل أن تجد أمثلة مؤيدة للفرضيات، سهولة تجعل من المستبعد أن يكون هذا هو طريق العلم الصحيح، تأمل مثلا فرضية بسيطة مثل: «جميع النباتات تتكاثر جنسيا»، فإذا كان كل ما يلزمني هو الشواهد المؤيدة لذلك، فإن بميسوري أن أهرع إلى الحديقة وأكتشف أن جميع الزنابق الستمائة وأربع وستين تتكاثر جنسيا، وهلم جرا، وسرعان ما يجتمع لدي عدد هائل من الأمثلة الموجبة، ومع ذلك فلو اطلع أي عالم نبات على عملي فلن يأبه له؛ لأنني لم أحاول أن أجد مثالا «مفندا»، لم أنظر إلى حالات يمكن أن تكون «أمثلة مضادة»

counter-examples ، فقبل تبني أي فرضية ينبغي علي أن أفحص كثيرا من الأنواع المختلفة من النباتات المزهرة، وأن أفحص الأعشاب والسراخس، وبعامة، يجب علي أن أحاول جهد ما أستطيع أن «أكذب»

falsify

فرضيتي.

تأمل فرضية أخرى، وهي الفرضية القائلة بأن «منطقة بروكا» هي التي تتحكم في إنتاج الكلام، فلكي يبرهن المرء على هذه الفرضية فلن يكفيه أن يعثر على ارتباط موجب بين حالات تلف منطقة بروكا وبين فقدان الكلام، فلا بد للمرء أن يكشف ما إذا كان هناك مرضى بتلف في منطقة بروكا بدون فقدان للنطق ، وأن يكشف ما إذا كانت هناك حالات فقدان نطق مع تلف في مناطق أخرى، عندئذ سيكون الفشل في التكذيب ذا دلالة، بعكس تجميع الحالات المؤيدة، تفيد دعوى بوبر أن العالم إذا قبل الفرضيات عن طريق إيجاد أمثلة مؤيدة فسوف ينتهي به المطاف إلى قبول ما لا يحصى من الفرضيات الكاذبة والسير فيما لا يحصى من الطرق المسدودة، أما إذا ظفر بفرضية صمدت لمحاولات عنيفة لتكذيبها، فعندئذ يمكنه قبول هذه الفرضية، لا باعتبارها صادقة، ولا باعتبارها مؤيدة، بل باعتبارها أفضل فرضية متاحة حتى الآن.»

المغالطات المنطقية: فصول في المنطق غير الصوري · الصفحة ٥٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المغالطات المنطقية: فصول في المنطق غير الصوريص ٥٨